Melkite Blogs

سيدة النجاة تحتفل في عيد التجلي – عيد مستشفى تل شيحا

كلمة صاحب السيادة المطران إبراهيم مخايل إبراهيم الجزيل ألإحترام في قداس عيد مستشفى تل شيحا

إدارة مستشفى تل شيحا الحاضرة معنا اليوم، أيها الأحباء في المسيح

نجتمع اليوم، بعد أن احتفلنا بعيد تجلّي ربنا يسوع المسيح، لنرفع الشكر لله على نعمة هذا العيد الذي يحتل مكانة فريدة في حياة الكنيسة، لأنه يكشف لنا حقيقة المسيح وهويته، ويكشف في الوقت عينه حقيقة الإنسان ودعوته. ففي جبل التجلي لم يتغيّر المسيح، بل انفتحت أعين التلاميذ ليروا ما كان مخفيًا عنهم: رأوا مجده الإلهي يشع من إنسانيته، ورأوا أن الطريق التي ستقود إلى الصليب ليست طريق هزيمة، بل طريق مجد وقيامة

لقد أراد الرب أن يسبق آلامه بإعلان مجده، لكي لا يتزعزع إيمان تلاميذه عندما يرونه مصلوبًا. وكأنه يقول لهم: لا تحكموا على الأمور بما ترونه بأعينكم، فخلف الألم يكمن المجد، وخلف الصليب تختبئ القيامة، وخلف الموت تنبض الحياة.
وهذه الرسالة هي في صميم رسالة مستشفى تل شيحا أيضًا. فالمستشفى هو المكان الذي يلتقي فيه الإنسان بحدوده، حيث يختبر ضعفه وخوفه وقلقه، وحيث تصبح الحياة نفسها سؤالًا كبيرًا. يدخل المريض إلى المستشفى مثقلًا بالألم، لكنه ينتظر أن يخرج منه وقد استعاد رجاءه قبل أن يستعيد صحته. لذلك فإن رسالة كل من يعمل في هذا الصرح المبارك ليست مجرد ممارسة لمهنة، بل هي مشاركة في رسالة المسيح الطبيب الإلهي الذي كان يجول يصنع الخير ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب

إن الطب، مهما بلغ من تقدم، يبقى عاجزًا إذا فقد بعده الإنساني. فالمريض لا يحتاج إلى دواء فقط، بل يحتاج إلى وجه يبتسم له، وكلمة تشجعه، وأذن تصغي إليه، وقلب يشعر معه. إن الإنسان لا يُشفى بالعلم وحده، بل بالمحبة أيضًا. ولذلك فإن كل طبيب يحمل في يده علمًا، لكنه مدعو أن يحمل في قلبه رحمة. وكل ممرض وممرضة لا يقدمان خدمة تقنية فحسب، بل يلمسان في كل مريض جسد المسيح المتألم. وكل موظف، مهما كانت مسؤوليته، يشارك في صنع مناخ من الكرامة والرجاء يجعل المستشفى مكانًا يشعر فيه الإنسان بأنه محبوب، لا مجرد رقم في ملف طبي.
إن عيد التجلي يعلمنا أيضًا أن النور الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من الداخل. لقد أشرق وجه المسيح لأن مجده كان فيه. ونحن أيضًا مدعوون لأن يكون في داخلنا نور الإنجيل، حتى ينعكس في وجوهنا وتصرفاتنا وكلماتنا. فكم من مريض خرج من غرفة المعاينة متعزيًا بسبب كلمة لطيفة أكثر مما خرج متأثرًا بالدواء. وكم من إنسان استعاد ثقته بالحياة لأنه شعر أن هناك من يحبه ويصلي من أجله ويقف إلى جانبه

إن مستشفى تل شيحا يحمل اسمًا عريقًا في تاريخ زحلة والبقاع، ولم يكن يومًا مجرد مؤسسة صحية، بل كان علامة رجاء وخدمة وإنسانية. واليوم، في عيد شفيعه، نصلي لكي يبقى هذا الصرح منارةً للنور وسط عالم تكثر فيه ظلمات الخوف والمرض واليأس، ولكي يمنح الله جميع العاملين فيه حكمة في قراراتهم، وأمانة في رسالتهم، ورحمة في تعاملهم، وصبرًا في خدمتهم، وقوة في مواجهة التحديات المتزايدة التي يعرفها القطاع الصحي

كما نصلي من أجل المرضى، لكي يلمسهم الرب بشفائه، ومن أجل الذين فقدوا رجاءهم، لكي يملأ قلوبهم سلامًا، ومن أجل عائلاتهم، لكي يمنحهم التعزية والقوة. ونصلي أيضًا من أجل الذين رحلوا من هذه الدنيا بعد صراع مع المرض، لكي يدخلهم المسيح إلى نور وجهه الذي لا يغيب، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد، بل حياة لا نهاية لها.
أيها الأحباء، لم يبقِ المسيح تلاميذه على جبل التجلي، بل أنزلهم معه إلى الوادي حيث ينتظرهم الناس والمتألمون والمحتاجون. فالتجلي ليس هروبًا من العالم، بل قوة للعودة إليه. والصلاة الحقيقية لا تُبعدنا عن الإنسان، بل تجعلنا أكثر قربًا منه. وكل لقاء حقيقي بالمسيح يقودنا إلى خدمة إخوتنا بمحبة أكبر، وتواضع أعمق، وإيمان أقوى

فلنسأل الرب المتجلّي أن يجعل من قلوبنا جبالًا يتجلّى عليها حضوره، ومن بيوتنا أماكن سلام، ومن مستشفانا بيتًا للشفاء والرجاء، ومن كل واحد منا شاهدًا لنوره في هذا العالم. وعندما ننتهي من خدمتنا على هذه الأرض، نستحق أن نسمع صوته المبارك يدعونا إلى ذلك التجلي الأبدي، حيث سنراه وجهًا لوجه، ونشترك في مجده الذي لا يزول إلى الابد. أمين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *