Press Releases

وأنتم كلكم إخوة - سيادة المطران كيرلس سليم بسترس - النهار

15 October 2016


 

 

 

إنّ ما نشهده اليوم من حروب بين الدول ومن صراعات بين الأديان والمذاهب، وما شهده تاريخ البشرية منذ نشأتها، يجعلنا نسأل ما هو الإنسان، وما هي الطبيعة البشريّة، وهل حُتِّم على البشر أن يعيشوا على الدوام في حروب وصراعات؟


نقرأ في الإنجيل المقدَّس أنّه فيما كان يسوع يعلّم في أحد البيوت، "جاءتْ أُمُّهُ وإِخوتُهُ فوقفوا خارجًا وأَرْسلوا إِليه يَدْعُونَهُ. وكان الجَمْعُ جُلوسًا حولَهُ، فَقيل لَهُ: "ها إنَّ أُمَّكَ وإخوتَكَ خارجًا يطلبونكَ". فأَجابهم قائلاً: "مَنْ أُمِّي ومَنْ إِخْوَتي؟" وأجالَ نظرَه في المتحلِّقين حَوْلَهُ وقال: "هؤلاء هم أُمِّي وإِخْوتي، فإنَّ مَنْ يَعملُ بمشيئَة الله هو أَخي وأُخْتي وأُمِّي" (مرقس 31:3-35)


إنّ العلاقات بين الناس مبنيّة أوّلاً على القرابة الطبيعيّة بينهم. وإذا بيسوع ينكر هذه القرابة ليبنيَ مكانها قرابةً أخرى مبنيّةً على العلاقة بين الإنسان والله. فالذي يعمل بمشيئة الله يصير ليسوع أخًا وأختًا وأمًّا. إنّ هذه الأقوال لا تغيِّر فقط طريقةَ العلاقات بين الناس، بل تغيِّر بشكلٍ جوهريّ مفهومَ الطبيعة البشريّة وتوضح مفهومَ الأنثروپولوجيا المسيحيّة. وهذا يعني، بحسب تحليل الفيلسوف ميشال هنري، أنّ "الوضعَ البشريَّ لم يَعُدْ يُحدِّده نظام العلاقات المتبادَلة بين الناس، بل العلاقة الباطنة بين كلّ إنسان والله. ولأنّ الوضعَ البشريَّ تُكوِّنه العلاقةُ بالله، من أجل ذلك فالعلاقة بين الناس لا يمكن أن تخضعَ لمعايير وأحكام بشريّة تستمدّ أصلَها من طبيعة بشريّة مزعومة لم يَعُدْ لها وجود. إنّ تغييرَ الطبيعة هذا، هذا التحوّلَ الجوهريَّ من طبيعة بشريّة إلى طبيعةٍ وُلِدتْ في الله، طبيعةٍ إلهيّة في مَبدئها، بحيث لا تتأتّى أعمالُها من الآن فصاعدًا إلاّ من هذا المبدإ ومن هذا الأصلِ الإلهيّ، هذا ما يعنيه المقطع التالي: "أحسِنوا وأقرِضوا غير راجينَ شيئًا فيكونَ أجرُكم عظيمًا وتكونوا بني العليّ" (لو 35:6)؛ "صلّوا لأجل الذين يضطَهِدونكم لكي تكونوا أبناءَ أبيكم الذي في السماوات" (متى 44:5)


من المفارقات التي تواصلُ مفارقات التطويبات وتقلِب رأسًا على عَقِبٍ العلاقات بين البشر يصدر مبدأٌ يشرحُها، أطروحةٌ ستكون في قلب المسيحيّة: أنتم أبناء الله. هذا التحديد الجديد للوضع البشريّ – خلافًا لكلّ تفسير دنيويّ أو إنسانويّ – يُحيل، في نصَّي لوقا ومتى، إلى ما يجب أن نصيرَ عليه، ويبدو أنّه خاضعٌ لتحقيق هذه الصيرورة" . "إنّ لقبَ أبناء الله الذي يُطلَق علينا في الإنجيل كلّه ليس مجازًا، إنّما هو وصفٌ لطبيعتنا الحقيقيّة. وإذا كانت النصوص التي نشرحها تتكلّم على صيرورة تُحدَّد شروطُها تحديدًا دقيقًا، فما ذلك إلاّ لأنّ الموضوعَ يتعلّق بالنسبة إلينا باستعادة وضع أصليّ تمّ تشويهُه ونسيانُه، ولكن ليس على الإطلاق تدميرُه. هكذا ينبغي أن نفهمَ الإعلانَ الجذريَّ التالي للمسيح: "لا تَدْعُوا لكم أحدًا على الأرض "أبًا"، لأنَّ أباكم واحدٌ وهو الذي في السماوات" (متى 9:23) . "وأنتم كلُّكم إخوة" (متى 8:23). "لا أحدَ على الأرض يستطيع أن يعطيَ لنفسه الحياة لأنّه كائنٌ محدود، ولا أن يحصلَ عليها من إنسان آخر هو أيضًا كائنٌ محدود. الله وحدَه هو الحياة المطلَقة، ولذلك هو وحدَه يستطيع أن يهبَ نسمةَ الحياة لكلّ من يُحييهم، ومن أجل هذا هم بالمعنى الحقيقيّ والمطلق "أبناؤه"".

 

إنّ الموضوعَ الأساسيّ في كلّ تعليم يسوع يقوم على إعلان هذا الإنجيل، هذه البشرى الصالحة، بأنّ جميعَ الناس هم أبناءُ الله: هذه هي طبيعتُهم الأصليّة، وإليها ينبغي لهم أن يعودوا، وعليها ينبغي لهم أن يبنوا علاقاتهم مع الله وفي ما بينهم. تلك هي التوبة التي بدأ يسوع كرازتَه بالدعوة إليها، كما نقرأ في إنجيل مرقس: "وبَعْد ما أُسْلِمَ يُوحَنَّا، أتى يَسُوعُ إِلَى الجَلِيلِ يُنادي بإنجيل اللهِ ويقُول: "لقَدْ تَمَّ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيل"" (14:1-15). إنّ ملكوتَ الله يبدأ يتحقَّق عندما يُدرِك جميعُ الناس طبيعتَهم الحقيقيّة بأنّهم جميعًا أبناءُ الله، ويعيشون هذه الحقيقة في علاقاتهم مع الله وفي ما بينهم. بهذا يدعو يسوع إلى تغيير نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى علاقاته بالله وبسائر الناس. وتغيير هذه النظرة هو ما يعنيه بكلامه على العين الصحيحة: "سراجُ الجسد العين. فإنْ كانت عينكَ صحيحة كان جسدُهذا هو الملكوت السماويّ الذي جاء يسوع يُنشِئه على الأرض. فلا بُدّ، للدخول فيه، من نظرة جديدة، ومن ولادة جديدة، كما قال لنيقوديمُس، موضحًا له كيفيَّةَ الانتقال من حياة الولادة الجسديّة إلى حياة الولادة بالروح، حياة أبناء الله: "الحقَّ الحقَّ أَقولُ لكَ إِنَّه ما من أَحَدٍ يَقدرُ أَنْ يرى ملكوتَ الله ما لم يُولَدْ من فَوْقُ [...]. الحقَّ الحقَّ أَقولُ لكَ إِنَّه ما من أَحَدٍ يستطيعُ أَنْ يدخلَ ملكوتَ الله ما لم يُولَدْ من الماء والروح. المولودُ من الجسد جسد، والمولودُ من الروح روح. فلا تَعْجَبَنَّ من قولي لكَ إنّه يَنْبَغي لكم أَنْ تُولَدُوا من فَوْق" (يو 3:3-7).كَ كلُّه في النور. ولكن إن كانت عينُكَ عليلة فجسدُكَ كلُّه يكون في ظلام. وإن كان النورُ الذي فيك ظلامًا، فيا له من ظلام!" (متى 22:6-23)

 

هذا هو الملكوت السماويّ الذي جاء يسوع يُنشِئه على الأرض. فلا بُدّ، للدخول فيه، من نظرة جديدة، ومن ولادة جديدة، كما قال لنيقوديمُس، موضحًا له كيفيَّةَ الانتقال من حياة الولادة الجسديّة إلى حياة الولادة بالروح، حياة أبناء الله: "الحقَّ الحقَّ أَقولُ لكَ إِنَّه ما من أَحَدٍ يَقدرُ أَنْ يرى ملكوتَ الله ما لم يُولَدْ من فَوْقُ [...]. الحقَّ الحقَّ أَقولُ لكَ إِنَّه ما من أَحَدٍ يستطيعُ أَنْ يدخلَ ملكوتَ الله ما لم يُولَدْ من الماء والروح. المولودُ من الجسد جسد، والمولودُ من الروح روح. فلا تَعْجَبَنَّ من قولي لكَ إنّه يَنْبَغي لكم أَنْ تُولَدُوا من فَوْق" (يو 3:3-7)

 

إنّ قبولَ هذه النظرة الجديدة وهذه الولادة الجديدة تتمّ بالإيمان بيسوع كلمة الله المتجسّد، كما بيّنَ ذلك إنجيل يوحنّا في مقدّمته: "جاء إلى خاصَّته، وخاصَّته لم تَقبلهُ. أَمَّا الذين قبلوه، أولئكَ الذين يُؤْمنونَ باسمه، فقد أعطاهُمْ سُلْطانًا بأَنْ يَصيرُوا أَبْناءَ الله، أَبناءً لم يولَدوا من دَمٍ، ولا من إرادة رجلٍ، بَلْ من الله" (12:1-13)

 

وبولس الرسول يؤكّد هذا التبنّي الإلهيّ من خلال تجسّد ابن الله: "لمّا بلغَ مِلْءُ الزَّمَان، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مولودًا من امرأَةٍ، مولودًا تَحْتَ النَّامُوس، ليفْتَديَ الذينَ تَحْتَ النَّامُوس، وننالَ التَّبنِّي. والدليلُ على أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، كونُ الله أَرْسَلَ إِلَى قلوبنا روحَ ابنِه، ليصرُخَ فيها: "أبّا أيّها الآب". فأنتَ إِذن لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بل أنتَ ابْنٌ؛ وإذا كُنْتَ ابْنًا فأنتَ أيضًا وارِثٌ بنعمة الله" (غلا 4:4-7). وقد رأى آباء الكنيسة، منذ القديس إيريناوس في القرن الثاني، أنّ هدفَ تجسّد ابن الله هو تحقيق هذا التبنّي الإلهي بقولهم: "صار ابنُ الله إنسانًا ليصيرَ الناسُ أبناءَ الله".

 

متى يفهم جميع الناس طبيعتهم البشرية الحقيقية ويدركون بالإيمان أنّهم أبناء إله واحد وأنّهم بالتالي إخوة وأخوات بعضهم لبعض، ويتوبون إلى هذا الإله الواحد، ويكفّون عن التقاتل والتصارع وسفك الدماء؟

 

 

Share this: