Press Releases

لبنان: تنوع في الوحدة - سيادة المطران كيرلس سليم بسترس - النهار

29 October 2016


 

 

 

إنّ التنوّع في الطوائف في لبنان هو واقع تاريخيّ، وقد قبله مؤسّسو الدولة اللبنانية، منبّهين إلى أنّ هذا التنوّع لا ينبغي أن يسيء إلى الوحدة، بحيث لا يسعى أحد لمصلحته الخاصّة بل يسعى الجميع لخدمة الوطن الواحد. الاختلافُ غنى، شرطَ أن يوضعَ في إطار الوحدة وفي ظلال المحبة. الاختلافُ في السياسة دليلُ ديموقراطية ولا يمكن الاستغناء عنه. في السياسة نحن طلاب حريّة وديموقراطيّة. ولكن لئلاّ تصيرَ الديموقراطية سبيلاً إلى التنافر والتخاصم والعداوة، نحن بحاجة إلى الدين الذي هو ضمير السياسة، وهو الذي يقرّب الناسَ إلى الله لينيرَ بصائرَهم فيجدوا أفضلَ السبل الآيلة إلى خدمة الشعب والسير بالوطن نحو الازدهار. طوائفنا كلّها هي جماعات دينيّة. هذه الصبغة الدينية يؤكّدها الدستور اللبناني، في المادة 9، فيقول:

 

"حرية الاعتقاد مطلقة. والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب. وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينيّة تحت حمايتها". والله الذي تؤدّي له الدولة الإجلال هو إله المحبة والرحمة والمغفرة.


الطوائف بحاجة بعضها لبعض. معًا يستطيع المواطنون بناء وطن ينبض فيه روحُ التضامن والتعاون. معًا يمكنهم الحفاظ على حقوق جميع الطوائف ليس لغاية أنانيّة بل لتضعَ كلّ طائفة إمكاناتها لخدمة الوطن. وفي كلّ هذا لا تبغي سوى صون كرامةِ الإنسان المخلوقِ على صورة الله.


نقرأ في النداء الأخير لسينودس الأساقفة في الجمعية الخاصة من أجل الشرق الأوسط المنعقد في الفاتيكان عام 2010: "نقول لمواطنينا المسلمين: إنّنا إخوة، والله يريدنا أن نحيا معًا، متّحدين في الإيمان بالله الواحد ووصيّة محبّة الله ومحبة القريب. معًا سنعمل على بناء مجتمعات مدنيّة مبنيّة على المواطنة والحرية الدينيّة وحرية المعتقد. معًا سنتعاون لتعزيز العدل والسلام وحقوق الإنسان وقيم الحياة والعائلة. إنّ مسؤوليتنا مشتركة في بناء أوطاننا. نريد أن نقدّم للشرق والغرب نموذجًا للعيش المشترك بين أديان متعدّدة وللتعاون البنّاء بين حضارات متنوّعة لخير أوطاننا ولخير البشرية جمعاء".

 

يقول الفيلسوف اللبنانيّ خليل رامز سركيس في كتابه "مصير": "الآخرُ موجودٌ بقدر ما يكون فيَّ؛ وأنا، بقدر ما أكون فيه، موجود. لو أنكرني لَأَنكرَ بعضَ نفسه، ولجحدتُ بعضَ نفسي لو أنكرتُه يومًا. كلانا بالآخر. على المثال عينه بُرِئنا. فتولّانا التاريخُ بما لأيّامنا وبما عليها" (ص 71-73)

 

تبدأ نهار الاثنين المقبل مرحلة جديدة من تاريخ لبنان، إذ سيكون لنا رئيس جديد بعد فراغ رئاسيّ دام سنتين وخمسة أشهر. أياً يكن الرئيس المنتخب، المطلوب من الجميع، طوائف وأحزاباً، أن يفرحوا لانتخابه ويساندوه لينجح في مهمته الوطنيّة. فنجاحه رهن بمساندة الجميع له. وبنجاحه تنجح جميع الطوائف والأحزاب. "إنّ رئيس الجمهوريّة هو، بموجب نصّ الدستور اللبناني في المادة 49، رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن". وعلى الجميع مساعدته للحفاظ على هذه الوحدة الوطنيّة. وإن كانت الديموقراطية تُفسح في المجال للمعارضة، فلتتمّ هذه المعارضة بشرف ونزاهة، وليكن هدفها المصلحة العامّة. يقول بولس الرسول للفيليپيّين (8:4-9): "وبعد، أيها الإخوة، فكلّ ما هو حقّ وكرامة، وعدل ونقاوة، ولطف وشرف، وكلّ ما هو فضيلة وكلّ ما يُمتدَح، كلّ هذا فليكن محطّ أفكاركم. وعندئذ إله السلام يكون معكم". ويمكن أن نطبّق على الوطن الواحد ما يقوله أيضًا بولس الرسول عن جسد الكنيسة الواحد: "لئلاّ يكون شقاق في الجسد، بل يكون للأعضاء اهتمام واحد بعضها لبعض. فإن تألّم عضو تألّم معه سائر الأعضاء، وإن أُكرِم عضو فرح معه سائر الأعضاء" (1 كورنثس 26:12)

Share this: