Press Releases

المصالحة الوطنية - سيادة المطران كيرلس سليم بسترس - النهار

5 November 2016


 

 

قال السيّد المسيح في عظته على الجبل التي فيها أوضح كيف يجب أن تكونَ علاقات الناس بالله وعلاقاتهم بعضهم ببعض: "إذا جئتَ بقربانكَ إلى المذبح وتذكّرتَ هناك أنّ لأخيكَ عليكَ شيئًا، فدَعْ قربانكَ هناك، قدام المذبح، وامضِ أولاً فصالحْ أخاكَ، وحينئذ ائتِ وقرّبْ قربانك" (متى 23:5-24)

 

إنّ علاقة الإنسان بالله لا تستقيم إذا لم يبدأ أولاً بمصالحة أخيه الإنسان. ولا مصالحة من دون مغفرة. فأن تتصالحَ مع أخيك يعني أن تطلبَ منه أن يغفر لكَ ما أسأتَ به إليه، وأن تغفرَ له أنتَ ما أساء به إليكَ. سأل بطرس الرسول يومًا السيّد المسيح: "ربّ، كم مرّة يخطأ إليّ أخي وأغفر له؟ أإلى سبع مرّات؟" أجابه يسوع: "لا أقول لك إلى سبع مرّات بل إلى سبعين مرّة سبع مرّات" (متى 21:18-22). ثم أعطاهم مثل ملك ترك لعبد له عشرة آلاف دينار. وما أن خرج ذلك العبد حتى وجد رفيقًا له عليه مئة دينار، فانقضّ عليه وأخذ بخناقه قائلاً: أدِّ ما عليك. فسقط صاحبه على قدميه وسأله قائلاً: "أمهلني فأوفيك". فلم يُرد. ومضى وطرحه في السجن حتى يوفي الدين. فلمّا رأى أصحابه ما حدث استاءوا كثيرًا وجاءوا وأخبروا سيّدهم بكلّ ما جرى. حينئذ دعاه سيّده وقال له: "أيّها العبد الشرّير، لقد تركتُ لكَ كلّ ذلك الدين لأنّكَ تضرّعتَ إليّ. أفما كان ينبغي لك، أنتَ أيضًا، أن ترحمَ صاحبكَ كما رحمتك أنا؟ وغضب سيّده ودفعه إلى الجلاّدين حتى يوفيَ كلّ ما عليه. ثم يختم يسوع المثل قائلاً: "هكذا أبي السماويّ يفعل بكم إن لم تغفروا كلّ واحدٍ منكم لأخيه من كلّ قلبه" (متى 23:18-35). يبيّن لنا يسوع في هذا المثل أنّ الله هو الذي يبادرنا بالمغفرة، وأنّ المغفرة التي يطلبها منّا بعضنا لبعض ليست سوى شيء زهيد بالنسبة إلى المغفرة التي يمنحنا إيّاها. لذلك علّمنا في صلاة "الأبانا" أن نقول: "واتركْ لنا ما علينا كما تركنا نحن لمن لنا عليه" (متى 12:6)؛ "واغفرْ لنا خطايانا لأنّنا، نحن أيضًا، نغفر لكلّ من أساء إلينا" (لوقا 4:11)

 

لا مصالحة من دون مغفرة. لذلك، لتحقيق المصالحة بين الله والناس، طلب يسوع من الله، فيما كان معلَّقًا على الصليب، المغفرة لصالبيه قائلاً: "يا أبتاه، اغفرْ لهم لأنّهم لا يعرفون ماذا يفعلون" (لوقا 34:23). هذا ما يوضحه بولس الرسول بقوله إنّه، في المسيح، "كلّ شيء قد تجدّد. والكلّ من الله، الذي صالحنا مع نفسه بالمسيح، وائتمننا على خدمة المصالحة. لأنّ الله هو الذي صالح، في المسيح، العالَم مع نفسه، ولم يحسب عليهم زلاّتهم، وأودعنا كلمة المصالحة" (2 كورنثس 18:5-19). والمصالحة هي أساس السلام بين الناس. لذلك يقول بولس الرسول عن المسيح "إنّه هو سلامنا، هو الذي جعل من الشعبين واحدًا، إذ نقض الحائط الحاجزَ بينهما، أي العداوة، وأزال، في جسده، الناموس مع أحكامه ووصاياه، ليكوّن في نفسه، من الاثنين، إنسانًا واحدًا جديدًا، بالصليب الذي به قتل العداوة" (أفسس 14:2-16)

 

السلام في لبنان لا يمكن أن يستقرّ إلا إذا تمّت المصالحة بين جميع أبنائه. والمصالحة الوطنيّة لا يمكن أن تتحقّق إلا إذا غفر اللبنانيّون بعضهم لبعض ما اقترفوه من إساءات بعضهم بحق بعض وبحقّ الوطن على مدى الأجيال من تاريخ لبنان.

 

منذ يومين اجتمع النوّاب كلّهم تحت قبّة البرلمان في مصالحة وطنيّة شاملة وانتخبوا العماد ميشال عون رئيسًا للجمهوريّة اللبنانيّة، وعمّ الفرح كلّ أرجاء الوطن. نرجو أن تكون هذه المصالحة الوطنيّة مبنيّة على مغفرة حقيقيّة "من عمق القلب". نتمنّى لفخامته كلّ التوفيق في عمله على توطيد هذه المصالحة الوطنيّة وعلى جمع شملّ كل الطوائف والأحزاب من أجل ازدهار الوطن في مختلف المرافق الأمنية والاقتصادية والاجتماعيّة.

Share this: