Press Releases

طوبى للحزانى فإنهم يعزون - سيادة المطران كيرلس سليم بسترس - النهار

19 November 2016


 

 


السؤال الذي تطرحه هذه التطويبة: كيف يمكن أن يشعر الإنسان بالسعادة في حين يملأ الحزن قلبَه؟ ما هو الحزن الذي يتكلّم عليه السيّد المسيح هنا؟ هناك نوعان من الحزن: هناك أوّلاً الحزن الذي يملأ الإنسان عند رؤيته الخطيئة التي يقترفها أو الشرّ الذي يسود العالَم، فيفقد الرجاء والثقة بالحبّ وبالحقيقة. هذا الحزن يتأكّل الإنسان من الداخل ويقوده إلى الموت بل إلى الانتحار، كما فعل يهوذا إذ "تندّم عندما رأى أنّه قد حُكِم على يسوع" بسببه، فلم يعُدْ يجرؤ على الرجاء، "ومضى فشنق نفسَه" (متى 3:23-5). أمّا النوع الثاني فينجم أيضًا عن الألم إزاء الخطيئة وإزاء الشرّ في العالم، لكنّ إيمانه بمغفرة الله ورجاءه قدرة الحقيقة على التغلّب على الشرّ يقودانه إلى التوبة ومقاومة الشرّ. إنّ هذا النوع من الحزن شافٍ، لأنّه يعلِّم الرجاء والحبّ من جديد. ويجسِّد هذا النوعَ الثاني من الحزن بطرسُ الرسول الذي ذرف دموعًا شافية تحت نظر السيّد المسيح، فبدأ انطلاقة جديدة، وأصبح إنسانًا جديدًا.

 

أورثَنا التقليد صورةً أخرى عن الحزن الشافي، حين جلست مريم العذراء عند قاعدة الصليب برفقة نسيبتها مريم زوجة كلاوبا، ومريم المجدليّة، ويوحنّا. نجد هنا مجموعة من الناس استمرُّوا أمناء للحقيقة. لم يكن بمقدورهم تحييدُ الشرّ عن مساره، إلاّ أنّهم تقاسموا الألم، ووقفوا إلى جانب المحكوم عليه. عند قاعدة الصليب، يمكن أن نفهمَ هذه الكلمة: 'طوبى للحزانى، فإنّهم يُعزَّون'. إنّ الذي لا يُقسّي قلبَه إزاء الألم، إزاء شقاء الآخرين، وبدلاً من أن يفتحَ نفسه للشرّ، يعاني سلطانه، مؤكّدًا بذلك أنّه يقف إلى جانب الحقيقة وإلى جانب الله، إنّما يفتح نوافذَ العالم ليدخل إليها النور.


إنّ الحزن الذي يتحدّث عنه السيّد المسيح هنا هو رفض التأقلم مع الشرّ، ومقاومة الناس في ما يفعلونه، ورفض نماذج السلوك الخاطئة الشائعة في العالم. الإنسان الذي يحزن عندما يرى الناس يسرقون يرفض أن يسرق مثلهم، والإنسان الذي يحزن عندما يرى موظّفي الدولة يرتشون يرفض أن يرتشي مثلهم. هذا النوع من الحزن يتّهم الشرّ ويعترض على خَدَر الضمائر ويقف إلى جانب الخير والحقيقة.


الحزانى يُشاركون يسوع في حزنه إزاء سلطان الشرّ. فإنّ يسوع، في بستان الزيتون، هو أيضًا «طفق يحزن ويكتئب، حينئذ قال لتلاميذه: إنّ نفسي حزينة حتى الموت« (متى 38:26). ويقول لوقا إنّ ملاكًا ظهر له من السماء يقوّيه (لوقا 43:22). لكنّ تعزيتَه سوف تكون، في نهاية الأمر، بقيامته من بين الأموات.

 

ماذا يتضمّن حزنُ يسوع أمام آلامه وموته وحزن «أصدقاء العريس« أمام موت العريس؟ إنّ الذين يحزنون إزاء ما يشاهدونه من ضلال وشرّ في العالم، ويعملون ما في وسعهم لنصرة الخير والحقّ، طوبى لهم لأنّهم يرافقون يسوع حتى النهاية، فيشاركونه في قصد الله الخلاصيّ، ويعملون معه من أجل خلاص العالَم. طوبى للذين يقودُهم الإيمان إلى تحمّل محنة الجمعة العظيمة ويصمدون في الظلمة، لأنّهم سيُعزَّون بموهبة القيامة.

 

 

ثمّ إنّ كلّ إنسان يحزن لدى موت أحد أحبائه. غير أنّ الإيمان بالقيامة يُشعّ بنوره على هذا الحزن فلا يعود الحزن قاتلاً. في العهد القديم، تنبّأ أشعيا قائلاً إنّ الله «سوف يُزيل الموتَ على الدوام، ويمسح السيّد الربّ الدموعَ عن جميع الوجوه« (أشعيا 8:25)، مبيّنًا هكذا أنّ البشريّة كلَّها سوف تُعتَق من الموت لتشاركَ الله في حياته. وتُعيد رؤيا يوحنا هذا الرجاء، إذ تصف أورشليم الجديدة بقولها: «هوذا مسكن الله مع الناس«. وتُضيف: «سيسكن معهم، ويكونون له شعبًا، وهو 'الله-معهم' يكون إلهَهم؛ ويمسح كلّ دمعة من عيونهم؛ ولا يكون بعد موتٌ، ولا نحيبٌ ولا وجع، لأنّ الأوضاعَ الأولى قد مضتْ« (رؤيا 3:21-4).

 

Share this: