Press Releases

الإلحاد المعاصر، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس "النهار"

31 May 2018


الإلحاد على نوعين: الإلحاد النظريّ والإلحاد العمليّ. فالإلحاد النظريّ هو إنكار وجود إله خالق، والاعتقاد بأنّ العالم تكوّن بقوّته الذاتيّة، ومن ثمّ فلا علاقة بين الإنسان وكائن آخر، والإنسان هو الذي يقرّر ما هو خير وما هو شرّ، ولا حياة للإنسان بعد الموت، ولا ثواب ولا عقاب عمّا يصنعه الإنسان في هذه الحياة. أمّا الإلحاد العمليّ فهو التصرّف في هذه الحياة كأن لا وجود لإله خالق  ولا لإله مُجازي.

لا بدّ لنا من الإقرار أوّلاً بأنّنا لا نستطيع أن نُثبتَ وجودَ الله بالبراهين العقليّة الجازمة التي لا تقبل الشكّ. فكثافة الجسد الذي نحن فيه وكثافة المادة التي تكتنفنا وحدود عقلنا البشريّ تحول دون ظهور الله ظهورًا موضوعيًّا. لذلك يستحيل إقناع الملحدين بالبراهين العقلية الجازمة بوجود الله. كلّ ما لدينا هو بعض الدلائل التي تشير إلى وجود الله. فكما قال أحد الفلاسفة: لا يمكن أن أتصوّر أنّ الساعة التي في يدي تكوّنت وحدها من دون صانع صنعها. كذلك الكون المنظَّم أفضل من الساعة لا بدّ أن يكون صنع كائنٍ ما. ثمّ إنّ  الإنسان مكوّن من جسد وروح. فإذا كان جسده نتيجة تطوّر المادّة، فروحه وعقله لا يمكن أن يتكوّنا من تطوّر المادة. فالمادّة التي لا روح فيها لا يمكن أن يتكّون منها الروح، ذلك بأنّ فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيَه. ومن جهة أخرى لا بدّ للملحدين من الإقرار بأنّهم هم أيضًا لا يستطيعون أن يبرهنوا بالبراهين العقليّة الجازمة التي لا تقبل الشكّ أنّ الله الذي نؤمن بوجوده هو محض وَهْمٍ وصنع الخيال. وقد يكون إلحادهم نتيجة تصوّر خاطئ لله، إذ يعتقدون أنّ وجود الله يناقض كرامة الإنسان. فيما المؤمن يرى أن وجود الله هو أساس كرامة الإنسان. فالإنسان المحدود يستقي كرامته من الله غير المحدود.

فمن الناحية المبدئيّة إذن الإيمان ممكن والإلحاد ممكن، وكلاهما لا يرتكز على براهين عقليّة. إنّهما موقف يختارهما الإنسان انطلاقًا من نظرة أساسيّة شاملة إلى الكون والحياة ويحيا بموجبها. الملحد والمؤمن كلاهما يختبر ضعف الإنسان وحدوده في الألم والموت. ولكن بينما يُغلِق  الملحد على ذاته في تلك الخبرة، ويرفض الانفتاح على ما يتجاوز العقل والحواسّ، يتجاوزها المؤمن ليرى فيها دعوة إلى الاتّحاد بمن لا حدود لكيانه ولا نهاية لحياته. إنّ الملحد، برفضه الله، يكتفي بأن يحيا في النسبيّ من الأمور، ويعتبر أنّه بالموت يعود إلى العدم. أمّا المؤمن فيرى أنّ للحياة مبدأ ومعنى وغاية. فالله، في نظره، هو مبدأ الكائنات ومعناها وغايتها. لذلك لا يخاف من الموت، بل يعتبره عبورًا إلى حياة الله الأبديّة، ولا تعود حياته على الأرض فراغًا وعبثًا، بل تصير اشتراكًا مع الله في متابعة خلق العالم. وهذا ما فعله القدّيسون على مدى التاريخ، فلم يبرهنوا عن وجود الله ببراهين عقليّة، بل أظهروا وجه الله في أعمالهم وجسَّدوا حضوره في حياتهم.

ومن ناحية أخرى، وإن لم نتمكّن من إثبات وجود الله بالبراهين العقليّة الجازمة، فإنّنا نستطيع أن نبيّن أنّ إيماننا لا يناقض العقل، بل يدعوه إلى تجاوز ذاته. فالإنسان أكبر بكثير ممّا يظهر منه من خلال الحواسّ. والخبرة البشريّة، بسبب حدود الإنسان وحدود معرفته، هي دومًا خبرة جزئيّة، أي إنّ الإنسان لا يمكنه أن يختبر الواقع كلّه. إنّما كلّ حدث من أحداث الواقع يُحيلُنا إلى الكلّ. فالمؤمن، إزاء موت قريب له، وما يسبّبه له هذا الحدث من حزن وألم، يُدرِك أنّ الإنسان لم يُخلَق فقط لبضع سنوات يقضيها على هذه الأرض، بل خُلِق للحياة الأبديّة مع الله. المؤمن يعتبر الإنسان "كائنًا خُلِق للحياة". أمّا الملحد فيعتبر الإنسان "كائنًا وُجِد للموت".

نحن في لبنان مجموعة طوائف دينيّة، تؤمن كلّها بوجود الله. ولكنّنا نسأل إلى أيّ حدّ يحيا أتباع هذه الطوائف بحسب إيمانهم بالله، فيتبعون وصاياه ويعملون بإرادته. فنرى البعض منهم يجاهرون بطائفتهم وهم بعيدون كلّ البعد عن الإيمان بالله. فهذا نوع من الإلحاد العمليّ. والفساد المستشري في الدولة والسرقات والأحقاد والنزاعات على أنواعها هي أيضًا نوع من الإلحاد العمليّ. يقول القديس يعقوب: "إنّ الإيمان، إن خلا من الأعمال، مَيْت في ذاته. بل قد يقول قائل: أنتَ لكَ إيمان وأنا لي أعمال. فأرني إيمانكَ بدون الأعمال، وأنا من أعمالي أريكَ إيماني. أنتَ تؤمن بأنّ الله واحد؟ فنعمّا تفعل! والشياطين أيضًا تؤمن، وترتعد. هلاّ أردتَ أن تعلم، أيّها الإنسان الباطل الرأي، أنّ الإيمان بدون الأعمال مَيْت" (يعقوب 17:2-20). كذلك يقول السيّد المسيح: "ليس كلّ من يقول لي: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل بإرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا ربّ، يا ربّ، ألم نكن باسمكَ قد تنبّأنا، وباسمك قد طردنا الشياطين، وباسمك قد صنعنا المعجزات الكثيرة؟ - حينئذ أُعلن لهم: إنّي ما عرفتكم قطّ. فإليكم عنّي، يا فاعلي الإثم!" (متى 21:7-23).

Share this: