Press Releases

المسيح قام، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – "النهار"

14 April 2018


 

 

في عيد الفصح يتبادل المسيحيّون التحيّة بعبارة فريدة في تاريخ الحضارات: المسيح قام – حقًّا قام. فلا يتمنّون بعضهم لبعض أيّة أمنية، بل يؤكّدون إيمانهم بأنّ يسوع المسيح الذي مات على الصليب قد قام من بين الأموات. المسيح قام من بين الأموات: تلك هي البشرى السعيدة للإيمان المسيحيّ. وهذه البشرى تتضمّن جوهر ما يستطيع المرء أن يتمنّاه في هذه الحياة وبعد الموت. كلّ حياة المسيحيّين وصلواتهم تنبع من هذا الحدث الخلاصيّ، كما يقول بولس الرسول: "إن كان المسيح لم يقم، فكرازتنا إذاً باطلة، وإيمانكم أيضًا باطل" (1 كورنثس 14:15). قيامة المسيح هي جوهر الكرازة المسيحيّة وأساس الإيمان المسيحيّ والحياة المسيحيّة. 

يسأل البعض: ما الذي تغيّر بالنسبة إلينا نحن البشر في قيامة المسيح؟ الإنسان من طبيعته يخاف من الموت، لأنّه لا يعلم ماذا بعد الموت. وإذا أصابه مرض، يخاف من أن يؤدّي هذا المرض إلى الموت. لذلك بدون رجاء القيامة يعيش في قلق دائم. قيامة المسيح أزالت هذا الخوف وهذا القلق، وملأت حياتنا رجاءً، أنّنا، كما قام المسيح، نحن أيضًا سنقوم إلى حياة جديدة. فعندما يعترف المسيحيّ بأنّ المسيح قد قام إلى حياة جديدة، وإلى جسدٍ ممجَّد، يُعلِن في الوقت عينه أنّ بشريّتنا قد انتقلت مع المسيح وعلى مثاله إلى شكل جديد، إلى حياة سماويّة: من التراب إلى المجد، من آدم القديم الخاطئ إلى آدم الجديد الممتلئ نعمة وحقًّا.

 

يسوع المسيح هو آدم الجديد، ورسالته تشمل جميع بني آدم. في إيقونة القيامة في الفنّ البيزنطيّ، التي تُدعى إيقونة انحدار المسيح إلى الجحيم، يُصوَّر المسيح وقد نزل إلى الجحيم وأمسك بيد آدم وحواء، اللذين يرمزان إلى كلّ الراقدين منذ بدء الخليقة، وأقامهما معه إلى حياة المجد.

 

المسيحيّون يعيشون في العالم مع أناس من أديان أخرى، ولهم رسالة عليهم أن يؤدّوها في هذا العالم. وهي الشهادة لما حصل عليه العالم من خلال قيامة المسيح. فإذا كان المسيح قد خلّص جميع الناس وبدأ معه إنسان جديد وعهد جديد بين البشريّة والله، فهو يدعو جميع البشر وجميع الشعوب إلى أن يعيشوا معًا بسلام ووئام وفي الاحترام المتبادل بعضهم لبعض.

 

سنة 1920 نشأت دولة لبنان الكبير كوطن تعيش فيه معًا 18 طائفة على أساس دستور يحترم جميع الأديان والمذاهب وينادي بحريّة الدين والمعتقد وباقي الحريّات المعترَف بها دوليًّا. فعاش اللبنانيّون بعضهم مع البعض فترة من الزمن في تعاون وتضامن ومحبة وسلام، استنادًا إلى التوازن بين الطوائف، هذا التوازن الذي يستطيع وحده أن يؤمّن العيش المشترَك.

 

لكن في 13 نيسان 1975 بدأت المؤامرة على لبنان. فكانت "حروب الآخرين على أرض لبنان"، وأغري اللبنانيّون وغرقوا في جنون الحرب، فانقسموا فرقًا تحاول كلّ فرقة السيطرة على الوطن كلّه وإلغاء الفرق الأخرى. وكاد لبنان يفقد كيانه. لكنّ العقل عاد إليهم، فأدركوا أنّه لا يمكن أحدًا أن يلغي الآخر، وأنّ لبنان، على رغم صغر حجمه، يتّسع لكلّ طوائفه، وأنّه ليس مجرّد وطن، بل هو رسالة عيش بسلام ووئام بين أديان ومذاهب متعدّدة. إنّه "لبنان الكبير"، الكبير بقلبه، إذ لا يزال ينبض فيه قلب السيّد المسيح وقلب مريم العذراء، اللذين وطئت أقدامهما أرضه، كما تنبض فيه قلوب الشهداء الذين ضحّوا بحياتهم للمحافظة على حريته واستقلاله، وقلوب القديسين الذين على مدى ألفي سنة شهدوا للمسيح الذي، بقيامته من بين الأموات، أضاء بنوره الإلهيّ العالم كلّه. لذلك ستبقى في هذا الوطن مآذن المساجد تصدح معلنة بإيمان: "الله أكبر"، وأجراسُ الكنائس تدقّ مُبشّرة بفرح: المسيح قام - حقًّا قام!

Share this: