Press Releases

قانون الإيمان أنشودة مجد، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – "النهار"

21 April 2018


 

 

قال القديس إيريناوس: "مجد الله هو الإنسان الحيّ". هذه العلاقة بين الله والإنسان يوجزها قانون الإيمان الذي يعود في صيغته الحاليّة إلى القرن الرابع. ففي بداية القرن الرابع كان يعيش في الإسكندريّة كاهن فيلسوف يُدعى آريوس. أراد أن يوفّق بين الإيمان بالله الواحد والإيمان بالثالوث، الذي تتمّ باسمه المعموديّة المسيحيّة، تتميماً لقول السيّد المسيح لتلاميذه: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (متى 19:28). فراح يعلّم أنّه، إذا كان الله واحداً،فالابن والروح القدس لا يمكن أن يكونا من الذات الإلهيّة. فالآب هو وحده إله، أمّا الابن فهو "مخلوق"، وقد خلقه الآب قبل كلّ الدهور، والابن بدوره هو الذي "خلق" الروح القدس. إزاء هذه البدعة، دعا الامبراطور قسطنطين إلى مجمع مسكونيّ انعقد في نيقية قرب القسطنطينيّة من 20 أيار حتى 19 حزيران سنة 325، أعلن فيه الآباء قانون الإيمان في قسمه الأوّل حتّى عبارة و"بالروح القدس"، وأكّدوا فيه ألوهيّة ابن الله. فإذا كنّا نؤمن بأنّ يسوع المسيح ابن الله هو مخلّصنا، فلا يمكن أن يكون مجرَّد كائن مخلوق، كما كان يعلّم آريوس. "فالمخلوق" لا يستطيع أن يخلّص "المخلوقات". وهذه العقيدة تستند إلى ما جاء في مقدّمة إنجيل يوحنا: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع الله، وكان الكلمة الله... والكلمة صار بشراً، وسكن بيننا مملوءاً نعمة وحقّاً. وقد رأينا مجدَه، مجدَ ابنٍ وحيدٍ آتٍ من الآب" (يوحنا 1:1، 14). فالابن هو الكلمة الذي "كان في البدء مع الله، وكان الكلمة الله". لذلك أعلنوا في قانون الإيمان أنّه "مولود غير مخلوق"، وأنّه "مساوٍ للآب في الجوهر"، أي إنّه من جوهر الله نفسه.

 

سنة 381 انعقد المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينيّة، وأكمل فيه الآباء القسم الثاني من قانون الإيمان، وأعلنوا ألوهيّة الروح القدس، مضيفين "وبالروح القدس الربّ المحيي المنبثق من الآب..." حتى نهايته "ونترجّى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي". لذلك يدعى هذا القانون "قانون الإيمان النقاويّ - القسطنطينيّ". وهذا القانون تعترف به كلّ الكنائس المسيحيّة: "الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة والبروتستانتيّة.

يتألّف هذا القانون من ستّة أقسام: الله الواحد الآب، ابن الله، الروح القدس، الكنيسة، المعموديّة، القيامة والحياة في الدهر الآتي. إنّه أشبه بسمفونيّة بحركتين: الحركة الأولى تتكوّن من الأقسام الثلاثة الأولى، الآب والابن والروح القدس، وهي حركة تنازل تبسط سرّ الله وما فعله من أجل البشر: فالله الآب خلقنا، والابن خلّصنا بتجسّده وقيامته، والروح القدس يقدّسنا بحلوله. أمّا الحركة الثانية فتتكوّن من الأقسام الثلاثة الأخيرة، وهي نتيجة الحركة الأولى. فمن عمل الله في التاريخ تنشأ الكنيسة التي يدخلها المؤمنون بالمعموديّة، على رجاء القيامة والحياة في الدهر الآتي. هذه الحركة هي حركة ارتقاء، إنّها عودة الإنسان والكون إلى الله. في الحركة الأولى نعترف بأنّ كلّ شيء يأتي من الله، وفي الحركة الثانية نعلن أنّ كلّ شيء يعود إلى قلب الله.

في قانون الإيمان هذا نعلن أنّنا من الله جئنا، وفي الله نستريح، وإلى الله سنعود. تلك هي الحقائق الثلاث التي تتكرّر في كلّ صفحة من صفحات الإنجيل المقدَّس، والتي نحن في حاجة إلى سماعها والعيش بمقتضاها. علينا تذكير الإنسانيّة أنّ بشريّتنا هي من اصل إلهيّ، وأنّ وضع كياننا الراهن هو إلهيّ، وأنّ مصيرنا هو إلهيّ. بتجسّد ابن الله الذي هو "من جوهر الله"، أصبحت بشريّتنا واحداً مع الله، وبقيامته وصعوده إلى السماء جلسنا معه على عرش المجد، وبحلول الروح القدس علينا، تحوّلنا إلى حياة أبديّة مع الله.

 

هذه هي أنشودة المجد التي نترنّم بها في كلّ صلواتنا. بالإيمان لا يعتنق المسيحيّ عقيدة مجرَّدة، بل يتّحد بإله حيّ خلقنا من فيض محبّته "على صورته ومثاله"، وأرسل إلينا ابنه يسوع المسيح مخلَّصاً وروحه القدوس محيياً، لتتحقّق فينا الصورة الإلهيّة التي خُلِقنا عليها. الإيمان، في عرفنا نحن المسيحيّين، ليس تحليلاً فكريّاً، إنّما هو دخولنا في حياة الآب الخالق والابن المخلّص والروح القدس المحيّي. الإيمان المسيحيّ يصلنا مباشرة بالله المحبّة، بالحياة الإلهيّة، ويرمي بنا في بحر اللانهاية، في عالم الله.

 

Share this: