Press Releases

القدّيس إسحق القطري، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – "النهار"

5 May 2018


 

 

 

إنّ وجود المسيحيّية في شبه الجزيرة العربيّة يعود إلى أيّام الرسل. فيذكر سفر أعمال الرسل، في حديثه عن حلول الروح القدس على التلاميذ يوم العنصرة، أنّ اليهود الذي سمعوا خطبة القديس بطرس قد أتوا من مختلف أنحاء العالم، وكان منهم عرب (أعمال 11:2). فهؤلاء العرب الذين آمنوا بالمسيح عادوا إلى شبه الجزيرة العربية ونشروا فيها الإيمان المسيحيّ. وإنّ السيرة النبويّة لابن هشام تذكر اسم الرسول الذي نشر المسيحيّة في الحجاز: "وكان مَنْ بعث عيسى عليه السلام من الحواريّين... ابن ثلماء، إلى الإعرابيّة وهي أرض الحجاز" (ابن هشام 255/4، وابن خلدون 150/2، والطبري 738/1). وابن ثلماء هو الرسول برثلماوس. وقد بقيت المسيحيّة مزدهرة في هذه البلدان العربيّة حتى بعد الفتوحات الإسلاميّة.

 

من المعروف أنّ عدّة قبائل عربيّة عُرِفت بإيمانها بالمسيحيّة كطيء وكندة وبطونها كالسكون والسكاسك. وتذكر "السيرة النبويّة" لابن هشام أنّ محمّداً نبيّ المسلمين دعا قبيلة كندة المسيحيّة وقبيلة كلب المسيحيّة في الحجاز إلى الإسلام فرفضتا. هناك آثار كثيرة تشهد على انتشار المسيحيّة قبل الإسلام في الجزيرة العربيّة، لم يهتمّ لها المسلمون، كما يؤكّد ذلك المؤرّخ الدكتور جواد علي، إذ يقول: "منذ العصر العبّاسيّ كان المسلمون ينظرون إلى الإخباريّ (أي المؤرّخ) نظرة سيّئة، فيها شيء من الازدراء وعدم التقدير. وما كان ذلك لروايته أخبار الجاهليّة، أو اشتغاله بجمع تاريخها والتحدّث عنها، وإنّما كان ذلك لسرد الإخباريّين النصرانيّات (أي أخبار الديانة المسيحية وانتشارها في الجزيرة العربيّة) وغير ذلك من القصص المدوّنة في الكتب".  أمّا اليوم فمن المفيد، أمانةً للتاريخ، أن يُنشَر ما تمّ اكتشافه عن المسيحيّة في الجزيرة العربيّة قبل الإسلام وعن الكتّاب المسيحيّين الذين اشتهروا في تلك المنطقة. وهذاما فعل الخوري جوزف ضور في كتاب له عن المسيحيّين في الجزيرة العربيّة. فعن انتشار المسيحيّة في قطر يقول: "يظهر أن المسيحيّة انتشرت أوّلاً في قطر (بيت قطرايي، بالسريانيّة)، إذ أصبحت مركز أسقفيّة منذ سنة 225م2، وهناك تقليد نسطوريّ يؤكّد التبشير في شرق بلاد العرب، وتوجد شواهد تاريخيّة ثابتة ومؤكّدة تُطلِعنا على نشاط الكنيسة المسيحيّة (والتي صارت في ما بعد نسطوريّة المذهب) ونجاحها في تركيز أسقفيّات على طول الساحل الشرقيّ العربيّ من مصبّ الفرات إلى عُمان. ودليلنا على ذلك انتماء العلّامة الكتابيّ والروحانيّ الكبير القدّيس إسحق إلى قطر. فمنطقة قطر العربيّة الأصيلة كانت منطقة مسيحيّة بامتياز في القرنين الرابع والخامس م، وكان نطاقها الجغرافيّ يمتدّ من الكويت وصولاً إلى (سلطنة) عمان وإلى الأحساء. وإنّ كنيسة الجبيل، والتي هي في شرق السعوديّة حاليّاً، دليل أثريّ مهمّ يؤكّد ذلك. وقد حدّد علماء الآثار بأنّ تاريخ تأسيسها يعود إلى بداية القرن الرابع م، وفيها عدّة صلبان صخريّة عند المدخل وعلى أعمدتها الداخليّة، وإن كان ينقصها السقف فقط. ويضيف الخوري ضوّ: "كما لا بدّ من الإشارة إلى أنّه في القرن الثالث م ضُمَّت نجران واليمامة المسيحيّتان يومها إلى الأبرشيّة الأسقفيّة (المركز الأسقفيّ) التي كانت قد أُنشئت في قطر. وفي القرن الرابع م أسّس الناسك عبد يشوع السريانيّ ديراً في جنوب قطر باسم مار توما، وقد زاره نحو سنة 390م2 الناسك مار يونان أحد تلامذة مار أوجين، فوجده آهلاً بمئتي راهب. وقد أقام مع رهبانه مدّة، وكانو يتلون الصلاة بالسريانيّة". وقد انعقد في قطر سنة 676م2 مجمع للكنيسة النسطوريّة أصدر مجموعة قوانين في مختلف الأمور الكنسيّة. وقد اشترك في هذا المجمع إلى جانب البطريرك جاورجيوس ستّة أساقفة من مختلف مدن القطر البحري

.

ويُعنى الأب جوزف ضور بنشر كتابات القدّيس إسحق القطريّ الذي وُلِد في قطر، وتعلّم في إحدى جامعاتها المسيحيّة التي كانت مزدهرة فيها على المذهب النسطوريّ. ثم انتُخب أسقفاً على نينوى سنة 663م، فعُرف باسم "إسحق النينويّ". لكنّه سرعان ما تخلّى عن منصبه الأسقفيّ وذهب إلى دير في البريّة حيث عاش حياة نسكيّة في الصلاة والتأمّل، وتوفّي سنة 69م، وقد ترك لها مؤلّفات روحيّة قيّمة، لدينا منها اليوم جزء معروف باللّغة السريانيّة ومترجَم إلى اللّغات الحديثة، وجزء باللّغة اليونانيّة القديمة كان لا يزال قابعاً في مخطوطات عدّة في مكتبة أثينا الوطنيّة. وهذه المخطوطات التي تضمّ معظم مؤلّفات القدّيس إسحق القطريّ فُقِدَ نصّها السريانيّ وحُفِظَت ترجمتها إلى اللغة اليونانيّة القديمة. ولم تُترجم بعد إلى أي من اللغات الحديثة. وها هو اليوم يقدّمها لنا الخوري جوزف ضوّ في ترجمة عربيّة استعان للقيام بها باخصّائيّين في اللغة اليونانيّة القديمة. كما حُفِظ أيضاً جزء من كتابات هذا القديس باللغة السلافيّة القديمة، وثمّة كنيسة باسمه في موسكو.

المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء 1، ص89.

 

المسيحيّون في الجزيرة العربيّة من القرن الرابع حتى القرن الثالث عشر م: الكنوز المخبّأة والتاريخ المطموس (نشر الخوري جوزف شور، طبعة أولى 2014).

بطريرك أفرام الأول برصوم، كتاب الدرر النفيسة في تاريخ الكنيسة، مج 1 ص 390. وكتاب أخبار الشهداء والقدّيسين، طبعة بيغان 486/1؛ ضو 101 – 103).

راجع مجموعة هذه القوانين في: الخوري جوزف ضور، الشامل في تاريخ المسيحيّة في قطر القديمة من القرن الأول حتى القرن التاسع ميلادي، ص 41-55.

القدّيس إسحق القطريّ المعروف بالسرياني، المؤلّفات الكاملة، المخطوطات البيزنطيّة المفقودة (نشر الخوري جوزف ضور)، 2017 – 2018.

ستقام ندوات على هذه المخطوطات المكتشفة حديثاً الساعة السادسة مساء في كلّ من الجامعة الأنطونيّة (10 أيار)، وكنيسة مار عبدا – بلاط، جبيل (11 أيار)، وجامعة الحكمة – التحويطة فرن الشباك (16 أيار).

 

Share this: