Press Releases

عيد الصعود الإلهيّ، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – "النهار"

12 May 2018


 

 

نقرأ في سفر أعمال الرسل أنّ يسوع، من بعد قيامته من بين الأموات، بقي "يتراءى لتلاميذه مدّة أربعين يومًا ويكلّمهم على شؤون ملكوت الله. وفيما هم يأكلون أوصاهم بالبقاء في أورشليم وانتظار موعد الآب... حلول الروح القدس عليهم. ولمّا قال هذا ارتفع على مرأى منهم، وأخذته سحابة عن عيونهم" (أعمال 1: 3-10).

إنّ عدد الأربعين في الكتاب المقدّس هو عدد رمزيّ يدلّ على مدّة تمهّد لعمل عظيم. فاليهود ساروا أربعين سنة في الصحراء قبل الدخول إلى أرض الميعاد. ويسوع صام أربعين يومًا قبل البدء برسالته. لم ينتظر يسوع أربعين يومًا للصعود إلى السماء والدخول في مجد الله الآب. فقيامته من بين الأموات وصعوده إلى السماء هما حدث واحد. أمّا الأربعون يومًا فهي المدّة التي كان يتراءى فيها لتلاميذه ويهيّئهم لنوع جديد من حضوره بينهم. إنها الفترة الأولى من حياة الكنيسة التي عمَّق فيها الرسل إيمانهم بقيامة المسيح وإدراكهم الرسالة التي أوكلها إليهم.

أما السحابة التي أخذت يسوع عن عيون التلاميذ فهي رمز لحضور الله. فالله لا يمكن أن يُرى بأعين الجسد، لذلك يُرمَز إليه دومًا في الكتاب المقدس بالسحابة (في حدث التجلي يقول الانجيل: وإذا سحابة قد ظلَّلتهم، وصوت من السحابة يقول: "هذا ابني الحبيب، فاسمعوا له" (مرقس 9: 7). فدخول المسيح في السحابة يعني دخوله في مجد الله.

كذلك القول عن "السماء" و"الصعود إلى السماء". فالسماء ليست الفضاء الخارجيّ الذي يحيط بالأرض، وليست مكانًا يمكن النزول منه والصعود إليه. إنّها لفظة رمزيّة تشير إلى الله. فالصعود إلى السماء يعني إذن الدخول في مجد الله، في عالم لا تُدركه حواسّنا ومخيّلتنا، ولكنه عالم حقيقيّ ثابت أكثر ثباتًا وحقيقة من عالمنا الحاليّ.

 

نقول في قانون الايمان: "وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب". إنّ الجلوس عن يمين الله الآب يعني اتّحاد يسوع بسلطة الله ودخوله في المجد الالهيّ. فالارتفاع إلى السماء والجلوس إلى يمين الله ليسا اختطافًا من الأرض إلى سماء بعيدة عن عالمنا. إنما هي دخول المسيح في المجد الالهي، في عالم روحيّ، جديد، هو أوّل خليّة فيه. فيسوع المسيح، هو "ابن الله" وهو أيضًا "ابن الانسان". وهو آدم الجديد والانسان الجديد الذي يمثّل البشريّة الجديدة. فبارتفاعه إلى السماء يرتفع معه الانسان إلى الله، وترتفع البشريّة إلى الألوهة. فكما أنّ يسوع المسيح كلمة الله هو في "حضن الآب"، كما يقول إنجيل يوحنا (1: 18)، أي مع الله، فكذلك مكان الانسان هو في جوار الله. هذا ما تعبّر عنه صلوات عيد الصعود في الطقس البيزنطيّ التي نترنّم بها مخاطبين يسوع: "اليوم صعدتَ بمجد من جبل الزيتون، وأصعدتَ بتحنّنكَ طبيعتنا الهابطة وأجلستها مع الآب". فبدخول يسوع في المجد الالهيّ اكتملت وتـأكّدت عمليّة تألّه الانسان.

إنّ يسوع المسيح ليس مجرّد نبيّ كسائر الانبياء. إنه "ابن الله" و"كلمة الله" الذي كان في البدء مع الله (يوحنا 1: 1-2)، والذي "صار بشرًا وسكن بيننا مملوءًا نعمة وحقًا. وقد رأينا مجده، مجد ابن وحيد آتٍ من الآب" (يوحنا 1: 14).

الديانة المسيحيّة هي ديانة تألّه الانسان. لا يستطيع أيّ نبيّ أن يؤلّه الانسان. يسوع المسيح وحده يستطيع أن يؤلّه الانسان، لكونه ابن الله وكلمته. هذا ما يعنيه سرّ التجسّد الالهي الذي عبّر عنه الآباء القديسون، منذ القديس إيريناوس في القرن الثاني، بقولهم: "ابن الله صار إنسانًا ليجعل من كلّ الناس أبناء الله". هذا هو مضمون "الملكوت" الذي جاء يسوع لينشئه على الأرض، "ملكوت الله" أو "ملكوت السماوات". وهذا هو "القصد الالهيّ" أو ما ندعوه في اللاهوت "التدبير الالهيّ" من تاريخ الخلاص، كما نصلّي في هذا العيد في الطقس البيزنطي أيضًا: "لما أكملتَ التدبير الذي من أجلنا ووحَّدتَ الأرضيّات والسماويّات (ما على الأرض بما في السماء)، صعدتَ بِمجد أيّها المسيح إلهنا دون أن تبرح مكانًا، بل لابثًا غير مفارق وهاتفًا بِمحبّيكَ. أنا معكم وليس أحد عليكم".

يسوع معنا بواسطة روحه القدس الذي أرسله على تلاميذه يوم العنصرة، ومعنا بواسطة "الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية" التي تكمن رسالتها الأساسيّة في أن تبني على الأرض عائلة أبناء الله، انطلاقًا من "المعمودية باسم الآب والابن والروح القدس" إلى الميرون (أو سرّ التثبيت) الذي هو "ختم موهبة الروح القدس"، إلى الافخارستيا التي هي سرّ الاتحاد بجسد ودم المسيح الممجّد في السماء، إلى باقي الأسرار المقدّسة، وهي كلها استمرار لحضور يسوع المسيح على الأرض، أو، كما يقول اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ نيكولا كاباسيلاس، "الطريق التي من خلالها يأتي إلينا يسوع المسيح اليوم وإلى الأبد".

 

Share this: