Press Releases

عيد العنصرة، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – "النهار"

19 May 2018


 

في قانون الإيمان النيقاويّ-القسطنطينيّ نعلن إيماننا "بالروح القدس الربّ المُحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجَّد". يرتكز هذا الإيمان على قول يسوع لتلاميذه في أثناء العشاء السرّيّ: "متى جاء المعزّي الذي سأرسله إليكم من عند الآب، روح الحقّ الذي من الآب ينبثق، فهو يشهد لي. وأنتم أيضًا ستشهدون لي لأنّكم معي منذ الابتداء" (يوحنا 26:15). ويذكر إنجيل القديس يوحنا أنّ يسوع، "في اليوم الأخير من العيد (عيد المظالّ)، وهو يومه الأعظم، وقف وصاح قائلاً: من كان عطشان فليأتِ إليّ، ومن آمن بي فليشرب. فإنّه، كما قال الكتاب، ستجري من جوفه أنهار ماء حيّ. قال هذا عن الروح الذي سيقبله المؤمنون به، فإنّ الروح لم يكن قد أُعطي بعدُ لأنّ يسوع لم يكن قد مُجِّد بعدُ" (يوحنا 37:7-39). 

إنّ وعد يسوع لتلاميذه بأن يرسلَ لهم الروح القدس من عند الآب قد تحقّق في عيد العنصرة. كان هذا العيد عند اليهود عيد الحصاد والبواكير يقرّبون فيه الخبزات الأولى المصنوعة من حنطة الموسم الجديد (أحبار 13:23). وفيه، بحسب اعتقاد اليهود، أنزل الله التوراة، أي الشريعة، على موسى في جبل سيناء. وكانوا يسمّونه أيضًا "عيد الخمسين" لوقوعه سبعة أسابيع بعد عيد الفصح. أمّا في المسيحيّة فهو عيد حلول الروح القدس على التلاميذ، كما نقرأ في سفر أعمال الرسل: "لمّا حلّ يوم الخمسين كانوا كلّهم معًا في المكان عينه، وإذا صوتٌ من السماء كصوت ريح شديدة تعصف قد انفجر وملأ جوانب البيت الذي كانوا مقيمين فيه. حينئذ ظهرت لهم ألسنة من نار تتجزّأ ويستقرّ قَبَسٌ منها على كلّ واحد منهم. فامتلأوا كلّهم من الروح القدس، وطفقوا يتكلّمون بألسنة أخرى على حسب ما آتاهم الروح القدس أن ينطقوا" (أعمال 1:2-4).

وإذا عدنا إلى بدء الخليقة، نقرأ في سفر التكوين: "في البدء خلق الله السماوات والأرض، وكانت الأرض خاوية خالية، وعلى وجه الغمر ظلام، وروح الربّ يرفّ على وجه المياه" (تكوين 1:1-2). فالروح القدس هو قدرة الله التي بها خلق الكون وأعطى الحياة لجميع الكائنات. وإذا انتقلنا إلى رواية بشارة مريم العذراء في إنجيل القديس لوقا، يبشّر الملاك جبرائل مريم بأنّها ستلد ابنًا وتسمّيه يسوع. فتسأل مريم: "كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟" فيجيبها الملاك: "الروح القدس سيحلّ عليكِ وقدرةُ العليّ تظلّلكِ. لذلك فالمولود قدوسٌ وابنَ العليّ يُدعى" (لوقا 34::1-35). الروح القدس هو إذن قدرة الله العليّ التي خلقت الكائنات في بدء الخليقة، والتي، في الخليقة الجديدة، كوّنت جسد يسوع في أحشاء مريم العذراء من دون مباشرة رجل. هذا أيضًا ما نعلنه في قانون الإيمان بقولنا إنّ ابن الله المولود من الآب قبل كلّ الدهور "تجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء وصار إنسانًا". فهو، منذ تكوينه كإنسان، ممتلئ من الروح القدس. وبهذه القدرة الإلهيّة أجرى المعجزات: فشفى المرضى وأقام الموتى، وغفر الخطايا. وفيه تحقّق قول أشعيا النبيّ: "روح الربّ عليّ، لأنّه مسحني لأبشّر الفقراء، وأرسلني لأنادي للمأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، ولأطلِق المُرهَقين أحرارًا، وأنادي بسنة قبول عند الربّ" (أشعيا 1:62-2؛ لوقا 18:4-19). ولأجل ذلك مُنِح مواهب الروح القدس التي يذكرها أيضًا أشعيا النبيّ، بقوله عن المسيح: "يحل عليه روحُ الربّ: روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوّة، روح المعرفة وتقوى الربّ" (أشعيا 2:11).

هذا الروح الإلهيّ بمواهبه المتعدّدة قد منحه يسوع لتلاميذه يوم العنصرة، ليتابعوا على مدى التاريخ العمل الخلاصيّ الذي بدأه على الأرض. فبالأسرار أوّلًا يمتلئ المسيحيّون من الروح القدس الذي كان يسوع ممتلئًا به: انطلاقًا من المعموديّة التي تتمّ "باسم الآب والابن والروح القدس"، والميرون الذي هو "ختم موهبة الروح القدس"، إلى الإفخارستيّا التي يحوّل فيها الروح القدس الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، وإلى باقي أسرار الكنيسة التي ينسكب فيها كلّها الروح القدس في قلب المؤمن ليعمل كلّ أعماله بحسب روح الله . وهكذا يُثمر في حياته ثمار الروح، التي يذكرها بولس الرسول بقوله: "أما ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام، وطول الأناة واللطف والصلاح، والأمانة والوداعة والعفاف. وأمثال هذه ليس ضدَّها ناموس. لأنّ الذين هم للمسيح صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات. فإن كنّا نحيا بالروح فلنسلكنّ أيضًا بالروح" (روم 22:5-25). ثمّ إنّ رسالة الكنيسة تقوم على أن تطبع بصبغة هذا الروح الإلهيّ كلّ مؤسَّسات العالم ونشاطاته، وهكذا تُسهم في نشر ملكوت الله وتجديد وجه العالم.

Share this: