Press Releases

القداسة في عالم اليوم، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – "النهار"

25 May 2018


 

في الأحد الذي يلي أحد العنصرة تعيّد الكنائس ذات التقليد الليتُرجيّ البيزنطيّ لجميع القديسين. ذلك لأن القداسة هي ثمرة حلول الروح القدس. فالله هو القدوس، وبإرساله روحه القدوس على المؤمنين يضع في عقولهم نورًا ليفهموا إرادته وفي قلوبهم قدرة على الاقتداء بقداسته. تتضمّن القداسة المبدأ الأساسيّ لكلّ عمل أخلاقيّ، وهو مكوّن من ناحيتين: الامتناع عن الشرّ وصنع الخير. فالله لا شرّ فيه، وهو كلّه خير، وهو مصدر كل خير وصلاح. وقد جسّد العهد القديم هذا المبدأ في الوصايا العشر التي توضح كيف يجب أن تكون علاقة الإنسان بالله وعلاقته بسائر الناس، وبهذا هي طريق الإنسان إلى القداسة. فتدعو، من جهة العلاقة بالله، إلى محبته وعدم عبادة آلهة أخرى غيره، ومن جهة العلاقة بسائر الناس، إلى إكرام الأب والأمّ، والامتناع عن كلّ ما يسيء إلى الآخرين، كالزنى والقتل والسرقة والكذب والشهادة بالزور واشتهاء مقتنى الغير. وقد أوجز السيّد المسيح الشريعة كلّها في وصيّتين. فعندما سأله أحد علماء الشريعة: "يا معلّم، أيّ وصيّة في الشريعة هي الكبرى؟" أجابه: "تحبّ الربّ إلهكَ بكلّ قلبكَ وكلّ نفسكَ وكلّ ذهنكَ. هذه هي الوصيّة الكبرى. والثانية مثلها شأنًا: تحبّ قريبكَ كنفسكَ. إلى هاتين الوصيّتين مَرَدُّ الشريعة كلّها والأنبياء" (متى 22/36-40).

لقد أصدر قداسة البابا فرنسيس، في 19/3/2018، رسالة عامّة بعنوان "إفرحوا وابتهجوا" (متى 5/12)، وموضوعها "الدعوة إلى القداسة في عالم اليوم". ويرى أنّ القداسة ليست، كما يتوّهم البعض، القيام بأعمال خارقة، بل القيام بأعمال اعتياديّة بمحبّة خارقة. "فالقداسة ليست سوى المحبة يعيشها الإنسان بكلّ نواحيها". وهذا ما يؤكّده بولس الرسول بقوله: "لا يكن لأحد عليكم حقّ ما خلا المحبة المتبادَلة، لأنّ من أحبّ القريب قد أتمّ الناموس. فإنّ هذه الوصايا: لا تزنِ، لا تقتلْ، لا تسرقْ، لا تشهدْ بالزور، لا تشتهِ، وكلّ وصيّة أخرى، تُلخَّص في هذه الكلمة: أحببْ قريبكَ كنفسكَ. إنّ المحبة لا تصنع بالقريب شرًّا، فالمحبة إذن هي تمام الناموس" (روم 13/8-10)). والقداسة إنّما تنمو من خلال أعمال صغيرة، كمساعدة محتاج، وعدم النميمة، واحتمال صعوبات الحياة بصبر وفرح. كما تنمو من خلال الصلاة وقراءة الكتاب المقدّس، ومساندة جماعة المؤمنين.

ويركّز البابا على التطويبات الثمانية (متى 5/3-12). فيقول: "أن يكون الإنسان فقيرًا بالقلب، تلك هي القداسة؛ والفقير بالقلب هو الذي يُبقي قلبه منفتحًا على كلام الله". "ان يكون الإنسان وديعًا في علاقته مع الآخرين. تلك هي القداسة". والوداعة تتضمّن احتمال عيوب الآخرين ونقائصهم.

وفيما العالم يدعو إلى التمتّع بأنانيّة في ملذّات الحياة، تقوم القداسة على "مشاركة الحزانى حزنَهم وآلامهم". وفي وسط "جماعات الفساد المنظَّمة"، وفي عالم يكثر فيه "الناس الذين يعانون المظالم، وهم يرون عاجزين كيف يتناوب الآخرون على تقاسم كعكة الحياة"، تقوم القداسة على "السعي بجوع وعطش إلى نشر البرّ وإحقاق العدل بين جميع الناس".

 

"أن يتصرّف الإنسان برحمة، تلك هي القداسة". والرحمة تتضمّن ناحيتين: مساعدة الآخرين، ومغفرة إساءاتهم. وهذا ما يوصي به يسوع بقوله: "كونوا رحماء، كما أنّ أباكم رحيم. لا تدينوا فلا تُدانوا. لا تحكموا على أحد، فلا يُحكَم عليكم. إغفروا يُغفَر لكم. أعطوا تُعطوا، فإنّكم تُعطون في أحضانكم كيلاً جيّدًا، مُلبَّدًا، مهزوزًا، إذ بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم" (لوقا 6/36-38). "أن يصون الإنسان قلبه من كلّ ما يلوّث المحبّة، تلك هي القداسة". "والقلب هو نوايانا الحقيقيّة، وما نسعى إليه حقًّا ونرغبه، بخلاف ما يبدو في الظاهر"، لأنّ "الإنسان إنما ينظر إلى الظواهر، وأمّا الربّ فإنّه ينظر إلى القلب" (1 صموئيل 16/7)، ويريد أن يعطيَنا "قلبًا جديدًا" (حزقيال 36/26).

وفي عالم يسوده العنف والنزاعات، ليس فقط من خلال الحروب المتكرّرة، بل أيضًا من خلال ثرثرات أناس يرون متعة في نشر التفرقة والبغضاء بين الناس، تقوم القداسة على "صنع السلام". "فإنّ ثمر البرّ يُزرَع في السلام لأجل فاعلي السلام" (يعقوب 3/18). وعلى رغم الاضطهادات التي يتعرّض لها المسيحيّون، "سواء بشكل دمويّ كالشهداء المعاصرين، أو بشكل أكاذيب وافتراءات تشوّه صورة المسيحيّة والكنيسة"، وفي عالم "نصطدم فيه بمطامع السلطة والمصالح الدنيويّة"، "تقوم القداسة على أن نسير في طريق الإنجيل ونشهد للحقّ، وإن كان ذلك يسبّب لنا مشكلات".

هذه بعض جوانب القداسة التي يجدر بجميع اللبنانيّين، المسيحيّين والمسلمين وحتى الملحدين، أن يتأمّلوا فيها ليبنوا معًا وطن المحبة والمصالحة والسلام. والله الذي خلق في الإنسان الحياة لا يريد بوصاياه أن يشوّه تلك الحياة، بل أن يوصلَها إلى ملئها. فالقداسة هي في النهاية كمال الإنسانيّة.

Share this: