Press Releases

سبت النور، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – النهار

14 April 2017


 

نعيّد غداً لنزول ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح، من بعد موته، إلى الجحيم، ليُنقِذَ منها جميعَ الأموات وينقلَهم إلى الحياة الأبديّة. وهذا ما يشير إليه نشيد النهار في الطقس البيزنطيّ: "لمّا نزلتَ إلى الموت، أيّها الحياةُ الذي لا يموت، أمتَّ الجحيمَ بسنى لاهوتكَ، ولمّا أقمتَ الأمواتَ من تحت الثرى، صرختْ جميعُ قوّاتِ السماويّين: أيّها المسيحُ إلهُنا، يا معطيَ الحياة، المجدُ لك". وهذا ما تصوّره إيقونةُ القيامة البيزنطيّة، فنرى السيّدَ المسيحَ منحدرًا إلى مخادع الموت، إلى الجحيم، وهي كنايةٌ عن المقرّ الذي كانت تتجمّع فيه، بحسب الاعتقاد القديم، نفوسُ الراقدين، منتظرةً يومَ القيامة العامّة. فالإيمان المسيحيّ يعلن أنّ قيامةَ يسوع هي في الواقع بدءُ القيامة العامّة. فالمسيحُ، بعد موته، قام من بين الأموات، ونزل إلى الجحيم وحطّم أبوابها وقيودَها، وانتزع من يد الموت والفساد نفوسَ الراقدين. فيظهر المسيح في الإيقونة مُمسكًا بيدَي آدمَ وحواء، اللذين هما رمز البشريّة كلّها، داعيًا إيّاهما إلى الحياة الجديدة، وداعيًا معهما البشرَ جميعَهم إلى قيامة الحياة الأبديّة. لذلك يظهر على يمين ويسار الإيقونة أنبياءُ وصدّيقو العهد القديم، الذين تنبّأوا بمجيء المسيح وكانوا ينتظرون الخلاصَ الذي سوف يتحقّق على يده. وها هم الآن يقومون معه إلى حياة المجد.  

 

ندعو هذا السبتَ "سبتَ النور". وفيه نقيم، قبل القدّاس الإلهيّ، رتبة "تقديس النور". فالجحيمُ هي مقرُّ الظلمة، والظلمة هي رمزُ الموت. أمّا النورُ فهو رمزُ الحياة. والمسيحُ هو كلمةُ الله الذي، بحسب إنجيل يوحنّا، "فيه كانت الحياةُ، والحياةُ كانت نورَ الناس، والنورُ يُضيء في الظلمة، والظلمة لم تُدرِكْه" (يوحنا 4:1-5)، وقد قال عن نفسه: "أنا نورُ العالَم. فمن تبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له نورُ الحياة" (يوحنا 12:8). فبنزوله إلى الجحيم أزال الظلمةَ ولاشى سلطان الموت.

 

هذا ما تعبّر عنه صلواتُ رتبة تقديس النور، فتصف إحدى هذه الصلوات بشكل رمزيّ كيف أنّ يسوع بنزوله إلى الجحيم دمّر سلطتها وأقام منها الأموات الذين كانت مستولية عليهم: "اليوم تنهَّدتْ الجحيمُ صارخة: لقد كان خيرًا لي ألاّ أقبلَ المولودَ من مريم. لأنّه أقبلَ إليّ فلاشى سلطاني، وسحقَ أبوابيَ النحاسيّة، وأقام النفوسَ التي كنتُ مستوليةً عليها قبلاً، بما أنّه الإله. تقبّلتُ ميتًا كأحد الأموات، فلم أستطعْ قطُّ أن أضبطَه، بل فقدتُ معه الذين كانوا تحت سلطتي. أنا كنتُ مستوليةً على الأموات منذ الدهر، إلاّ أنّ هذا قد أنهض الجميع. لقد سقطتْ عزّتي، لأنّ الراعي صُلب وأنهض آدم. والذين كنتُ مالكةً عليهم قد فقدتُهم، والذين ابتلعتُهم باقتداري قذفتُهم جميعًا. لأنّ المصلوبَ أفرغَ القبور، وقدرةَ الموت اضمحلّت".

 

نحن المسيحيّين منذ معموديّتنا تقبّلنا نور المسيح. لذلك تُدعى المعموديّة "استنارة". ومنذ معموديّتنا شاركنا المسيحَ في موته وقيامته، فمتنا عن الخطيئة التي مات المسيح ليفتديَنا منها، وقمنا إلى حياة النعمة. والظلمة التي هي رمز الموت هي أيضًا رمز الخطيئة. لذلك يقول بولس الرسول: "لقد كنتم من قَبْلُ ظلمة، أمّا الآن فأنتم نورٌ في الربّ؛ فاسلكوا كأبناء النور. فإنّ ثمرَ النور لَفي كلّ صلاح وبرّ وحقّ... لذلك قد قيل: استيقظْ أيّها النائم، قُمْ من بين الأمواتِ فيُضيءَ لكَ المسيح" (أفسس 8:5-14).

 

بعد تقديس النور، يعلن الكاهن: "إنّ نورَ المسيح يُضيء للجميع"، وننشد لأورشليم الجديدة، التي هي الكنيسة: "استنيري، استنيري، يا أورشليم الجديدة، لأنّ مجدَ الربّ قد أشرق عليكِ". نصلّي في هذا اليوم المقدَّس ليشرقَ نورُ المسيح على لبنان وعلى العالَم كلّه فيزيلَ من قلوب الناس كلَّ أنواع الظلمة من حقدٍ وبغضٍ وتفرقةٍ وكلَّ ما يقود إلى الموت، لتحقّقَ الكنيسة رسالتَها فتمتلئ من نور المسيح لتكونَ "نور العالَم"، ويؤدّيَ لبنانُ دورَه بأن يكونَ، ليس مجرّد وطن، بل رسالةَ محبة وتضامن بين جميع المواطنين من مختلف الأديان والمذاهب. 

 

Share this: