Press Releases

جوع وعطش وحياة حقيقية - سيادة المطران كيرلس سليم بسترس - النهار

3 December 2016


 

 

الإنسان كائن حيّ ذو جسد وروح. فالجسد بحاجة لينمو إلى أن يغتذي بما يلائم طبيعته من طعام وشراب. والروح أيضًا بحاجة إلى ما يلائم طبيعتها. وما يلائم طبيعة الروح إنّما هي أعمال الخير والصلاح، التي يوجزها يسوع في هذه التطويبة الرابعة من عظته على الجبل بلفظة "البِرّ".

 

البرّ الذي يتكلّم عنه يسوع هو برّ الله، أعني قداسة الله. وهذا ما تبيّنه أقوال يسوع التالية: "إنْ لم يزدْ برُّكم على ما للكتبة والفرّيسيّين، فلن تدخلوا ملكوتَ السماوات" (متى 20:5). ثمّ تلي أمثلة كثيرة عن تحقيق برّ الله: "سمعتم أنّه قيل للأقدمين (هذا هو برّ الكتبة والفرّيسيّين، أي وصايا الله في مفهومها الحرفيّ والضيّق): لا تقتلْ... لا تزنِ... لا تحنثْ... عين بعين وسنّ بسنّ ... أحببْ قريبكَ وأبغضْ عدوَّكَ... أمّا أنا فأقول لكم... كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماويّ هو كامل" (متى 1:5-48). "احترزوا أن تصنَعوا برَّكم (أي أن تمارسوا الفضيلةَ) قدّامَ الناس" (متى 1:6). كذلك نقرأ في العهد القديم قول الله: "كونوا قدّيسين فإنّي أنا قدّوس" (أحبار 2:19)


هذا الجوع وهذا العطش نجد صورهما عند الأنبياء، للدلالة على الحاجة التي يشعر بها الإنسان إلى كلام الله الذي يغذّيه ويمنحه الحياةَ الحقيقيّة. فنقرأ في سفر النبي عاموس: "ها إنّها ستأتي أيّام أسكب فيها ليس الجوعَ للخبز ولا العطشَ للماء، بل الجوعَ والعطشَ لكلمة الله" (11:8). وكلمة الله قد تجسّدت في شخص يسوع المسيح، الذي هو نفسه كلمة الله.


لذلك فالإنسان "يتبرَّر" أو"يتقدَّس"، عندما يصير كاملاً في نظر الله، أي عندما يصير مشابهًا لابن الله نفسه. فالمسيح هو "البارّ" الوحيد بالمعنى الحصريّ للكلمة. فهو بارّ ليس فقط لأنّه بريء، بل لأنّه يُتمّ قصدَ الآب. فعندما يُحكَم عليه ظلمًا يحمل خطايانا، وهو "قدوس الله"، الذي فيه وبه نستطيع بدورنا أن نصيرَ قديسين.


إنّ القداسةَ ليست أمرًا نصل إليه بإرادتنا الخاصّة. نطلب القداسة من الله كنعمة، وهو يعدنا بأن يلبّيَ طلبنا. نطلب القداسة بصفة كوننا "جياعًا وعطاشًا إلى البرّ"، وهو الذي سوف يُشبِع جوعَنا وعطشَنا. لا يستطيع الإنسان أن يصلَ إلى القداسة بمجرَّد جهده الشخصيّ، ولا يستطيع في أيّ لحظة من لحظات حياته أن يقول: ها قد وصلتُ إلى القداسة. القداسة هي الطلب باستمرار إلى الله ليغفر لنا نحن الخطأة ويُنقِذنا من خطايانا. من عمق خطايانا نصرخ على الدوام: "معونتي من عند الربّ، الذي صنع السماءَ والأرض"؛ "ارحمني يا الله بعظيم رحمتكَ". القداسة هي الجوع الدائم إلى رحمة الله والعطش الدائم إلى مغفرته.


البارّ أو القدّيس ليس من يعدّ نفسَه هكذا، بل من يكتشف، بقدر ما يتقرّب إلى الله، أنّه خاطئ. ولذلك يستطيع، بقلب منسحق وحاصل على المغفرة، أن يبدأ دومًا من جديد المسيرة نحو الله. إنّ وعي الخطيئة، أعني وعيَ كلّ ما يُبعِد المؤمنَ عن الله، لا يمكن إلاّ إذا استمرّ المؤمن يُحَدِّقُ بنظره، على نحوٍ ما، إلى الذي يدعوه. إنّ اكتشافَ خطيئتنا هو الوجه الآخر لاكتشاف محبة الله ومغفرة الله. إنّه كالظلّ الذي يرسمُه النور الذي بدونه لا يمكننا أن نرى خطيئتنا. كذلك الظلمة والخطيئة لا يمكن أن نراهما إلاّ في إشعاع برّ الله وقداسته. البارّ يستسلم لله، لمحبّته ولرحمته، وبثقة تامّة يخضع لوصاياه. يتوق دومًا إلى الله، يجوع ويعطش إلى برّ الله، وسوف ينالُ السعادةَ عندما يملأه الله من قداسته.

Share this: