Press Releases

"مباركٌ الآتي باسم الربّ"، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – النهار

8 April 2017


 

نحتفل غدًا بعيد الشعانين، أعني بدخول السيد المسيح إلى أورشليم واستقبال الناس له بسَعَف النخل وأغصان الزيتون استقبالَ الملوك، وهم يهتفون: "هوشعنا لابن داود! مباركٌ الآتي باسم الربّ! مباركة المملكة الآتية، مملكة داود أبينا" (متى 9:21). إنّ لفظة "هوشعنا" هي تعبير آراميّ يعني: "خلّصنا!". وكانت هذه اللفظة بمثابة هتافِ تكريمٍ للملك على نحو "يحيا الملك!". وهتافُ الجماهير "هوشعنا لابن داود" إنّما هو اعترافٌ بأنّ يسوع هو الملكُ الآتي ليعيدَ مملكةَ داود. كانت مملكة داود قد اندَثَرَتْ منذ عهد بعيد، وكانت أرضُ إسرائيل رازحةً تحت الاحتلال الرومانيّ. فتوهّم الشعب، لدى استقبال يسوع، أنّ يسوع سيطرد الرومان ويعيد إحياءَ مملكة داود. يسوع هو حقًّا ملك، ولكنّ مملكتَه، كما قال لبيلاطس، "ليست من هذا العالَم" (يوحنا 36:18). ولمّا سأله بيلاطس: "أنتَ إذاً ملك؟"، أجابه يسوع: "أنت قلتَ، إنّي ملك، وإنّي لهذا وُلِدتُ، ولهذا جئتُ إلى العالَم لأشهدَ للحقّ. فكلّ مَنْ هو مِنْ أهلِ الحقّ يسمعُ صوتي" (يوحنا 37:18). مملكةُ يسوع التي ليست من هذا العالَم، أي عالَم الشرّ والضلال، هي "مملكةُ الحقّ"، ورسالةُ يسوع إنّما هي الشهادةُ للحقّ حتى الموت. تلك هي صفتُه الملكيّة. لكنّ الناس لا يهمّهم الحقّ، بل تهمّهم مصالحهم الدنيويّة. لذلك فالذين، يوم الشعانين، كانوا يهتفون ليسوع: "هوشعنا"، راحوا يصرخون، أمام بيلاطس، "اصلبه!" ولمّا سألهم بيلاطس: "أأصلبُ ملكَكم؟" أجاب رؤساء الكهنة: "لا ملك لنا غير قيصر!" (يوحنا 15:19).

 

عندما بدأ يسوع كرازتَه في الجليل، راح يبشّر بملكوت الله قائلاً: "لقد تمّ الزمان واقترب ملكوتُ الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مرقس 15:1). وها هو الآن، بدخوله إلى أورشليم، يحقّق ملكوتَ الله، ملكوت المحبة والفداء. والعرش الذي اعتلاه إنّما هو الصليب، الذي به افتدى العالَم بإظهاره محبّة الله التي تفوق كلّ تصوّرٍ بشريّ. يسوع هو كلمة الله الآب، وقد تجسّد وصار إنسانًا بقدرة الروح القدس، وبموته وقيامته وإرساله الروح القدس على تلاميذه، افتدى العالَم وأنشأ على الأرض ملكوتَ الله.


إنّ هتاف الجموع يوم دخول يسوع إلى أورشليم: "هوشعنا! مباركٌ الآتي باسم الربّ! مباركة المملكة الآتية، مملكة داود أبينا" قد تحقّق، ولكن بشكل روحيّ. فيسوع هو حقًّا الآتي باسم الربّ لينشئ الملكوتَ الأبديّ الذي لم تكن مملكة داود سوى رمزٍ وتهيئةٍ له. ملكوتُه هو ملكوتُ المحبة التي تفيضُ من قلب الله لتملأَ قلوبَ الناس وتجعلَ منهم أناسًا يحقّقون الصورةَ الإلهيّة التي خلقهم الله عليها، وتملأَ المجتمعات لتجعلَ منها مجتمعاتٍ تُجسِّدُ العدلَ والمحبة، وتحقّقُ مشيئةَ الله كما ظهرت في وصاياه وأحكامه. أورشليم الذي يدخلها المسيح اليوم هي صورةُ الكنيسةِ وصورةُ العالَم، وفي الكنيسة والعالم يريد المسيحُ أن يحقّقَ ملكوتَ الله، ملكوتَ العدل والحقّ والمحبة.

 

فالسؤال الذي لا بدّ من طرحه هو التالي: هل إنّ احتفالَنا غدًا هو مجرّد احتفال بذكرى لحَدَثٍ جرى في الماضي؟ أم إنّه يهدف إلى أن يُفسِحَ في المجال للمسيح ليدخلَ إلى قلوبنا فيجعلَها على مثال قلبه، ويدخلَ إلى مجتمعاتنا فيجعلَها تحقّقُ الغايةَ التي من أجلها تجسّد. يقول إنجيل يوحنّا إنّ المسيح بذل ذاتَه "ليجمعَ في الوحدة أبناءَ الله المشتَّتين" (يوحنا 52:11). عندما ننظر إلى واقعنا الاجتماعيّ والسياسيّ، لا بدّ لنا من أن نعترفَ بأنّنا لا نزال بعيدين جدًّا عن تلك الوحدة التي من أجلها بذل المسيح ذاتَه. فالخلافات والنزاعات والانقسامات هي ميزةُ أهل الحكم اليوم. كلّ يسعى إلى مصلحته الخاصّة، والناس هم الذين يدفعون ثمن خلافات الحكام والزعماء. دخل يسوع إلى أورشليم ليُنشئَ ملكوتَ العدل والمحبة، وقدّم ذاتَه على الصليب ليفتديَ العالَم من الحقد والبغض وكلّ أنواع الشرّ. ولا يزال اليوم أيضًا كثيرون يردّدون، في أعمالهم، قولَ رؤساء الكهنة اليهود: "لا نريد أن يملكَ يسوع علينا. لا ملكَ لنا غيرُ قيصر!"، وهكذا، كما يقول بولس الرسول، "يعيدون، بأنفسهم، صلبَ ابن الله" (عبرانيّين 6:5). نرجو أن يدخلَ اليوم المسيح إلى قلب كلٍّ من اللبنانيّين ليملكَ عليه، ويُعيدَ إليه براءةَ الأطفال الذين يطوفون اليوم في مختلف الكنائس هاتفين:

"هوشعنا في الأعالي. مبارك الآتي باسم الربّ.
هوشعنا لابن داود، هوشعنا للمسيح ملكِنا،
مبارك الآتي باسم الربّ".

 

Share this: