Press Releases

وجه الله، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – النهار

4 March 2017


 

 

نعيّد اليوم في الكنائس ذات التراث البيزنطيّ للإيقونات. كان من الممنوع في العهد القديم تصوير الله. ولكن منذ أن اتّخذ كلمة الله وجهًا بشريًّا في شخص يسوع المسيح، درجت العادة برسم إيقونة المسيح والقديسين، تأكيدًا للتجسّد الإلهيّ وتذكيرًا للمؤمنين بضرورة التأمّل في وجه المسيح ووجوه القديسين الذين جسّدوا في حياتهم صورة المسيح، للتشبّه بهم والاقتداء بسيرتهم.

 

يصف لنا سفر التكوين في أسلوب رمزيّ حياةَ البرارة والقداسة التي يعيشها الإنسان مع الله. فيقول إنّ الله كان يتمشّى في الجنة مع آدم عند نسيم المساء. ويصف من جهة أخرى حياةَ الخطيئة التي بها يبتعد الإنسان عن الله. فيقول إنّ الإنسان، ما أن خطىء وعصى أمر الله حتى احتجب عنه وجهُ الله، فطُرِد من الفردوس وراح يهيم على وجهه لا يدري أين يتوجّه.


لكنّ هذا الحنين إلى معاينة وجه الله بقي يلازمه. فنسمع صاحب المزامير يرنّم: "وجهكَ يا ربّ ألتمس، فلا تحجبْ وجهكَ عني". ونسمع موسى النبيّ يطلب إلى الله على جبل سيناء: "أرني مجدكَ"، والمجد هو ظهور الله. فيجيبه الله: "أمّا وجهي فلا تستطيع أن تراه، لأنّه لا يراني إنسانٌ ويبقى حيًّا" (سفر الخروج 20:33). ولكن لمّا بلغ ملء الزمان تجسَّد كلمة الله وأخذ وجهًا بشريًّا في شخص يسوع المسيح، كما يقول هو نفسه لفيلبُّس الرسول في أثناء العشاء السرّي: "من رآني فقد رأى الآب" (يوحنا 9:14).

إنّ الرسل الأوّلين الذين تبعوا المسيح قد رأوا فيه وجه الله. ونحن اليوم أيضًا مدعوّون إلى أن نتأمّل على الدوام في وجه المسيح. إنّ هدف زمن الصوم المقدس الذي بدأناه منذ أسبوع هو التوبة عن سيرتنا الماضية والسعي إلى تجديد حياتنا بحسب ما يطلبه منّا السيد المسيح في إنجيله المقدس، لنصلَ، كما يقول بولس الرسول، إلى "حالة الإنسان البالغ، إلى ملء قامة المسيح" (أفسس 13:4)

 

الإنسان، بحسب الكتاب المقدس، خُلِق على صورة الله ومثاله. فصورة الله في الإنسان تكمن في طبيعته الثلاثيّة البعد: أي من حيث هو كائن حيّ، وكائن عاقل يبحث عن الحقيقة، وكائن مدعوّ بحريّة إلى عمل الصالحات. هذه الأبعاد الثلاثة يوضحها اللاهوت المسيحيّ عندما يأتي ليعبّر بكلام بشريّ عن سرّ الله في العقيدة المسيحية. فيقول إنّ الله الواحد الآب الخالق هو الحيّ ومصدر الحياة، والابن الذي ظهر في شخص يسوع المسيح هو الكلمة الذي يعبّر عن العقل الإلهيّ، والروح القدس هو روح القداسة والصلاح. تلك هي الصورة الإلهيّة التي خُلِق عليها الإنسان. أمّا المثال فهو في تحقيق هذه الصورة في حياة الإنسان. فبالخطيئة يفقد الإنسان المثال الإلهيّ، لكنّ الصورة تبقى فيه، وهي لا تني تدعوه إلى أن يحقّق في حياته المثالَ الإلهيّ الذي خُلِق عليه. والمسيحيّ عندما يعتمد باسم الآب والابن والروح القدس، تُرسَم على وجهه وفي قلبه صورة الثالوث الإلهيّ، ويُولَد كائنًا جديدًا مدعوًّا إلى أن يحقّق في ذاته المثال الإلهيّ.

 

يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى تيموثاوس: "إنّ الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسَه فداءً عن الجميع" (5:2). يسوع المسيح هو الوسيط الوحيد بين الله والناس، لأنّه أظهر للعالم وجهَ الله الحقيقيّ. لذلك تدعوه الرسالة إلى العبرانيّين "ضياء مجد الله وصورة جوهره" (3:1). ولذلك من يريد أن يرى الله ويعرفه على حقيقته لا سبيل له إلاّ من خلال النظر إلى وجه يسوع المسيح، الذي هو "الطريق والحقّ والحياة" (يوحنا 6:14)


جاء يسوع المسيح ليُظهِرَ لنا وجهَ الله الحقيقيّ. هذا هو موجز الإنجيل، وهذه هي البشرى الصالحة التي جاء يسوع يعلنها ومن أجلها مات وقام: إنّ رغبة البشرية منذ الإنسان الأوّل في رؤية وجه الله قد تحقّقت بظهور يسوع المسيح "ابن الله" و"كلمته" و"ضياء مجد الله وصورة جوهره". هذه هي رسالة المسيحيّين الذين صاروا بالمعموديّة أعضاء في جسد المسيح: أن يمتلئوا من مجد الله لكي يَشعَّ من خلالهم مجدُ الله على العالَم. وهذه هي رسالة الكنيسة في عالم لا يزال يبحث عن معناه، على رغم ما أحرزه من تقدّم علىى صعيد العلم والتكنولوجيا، اللذين لا يمكنهما إيصال الإنسان إلى كمال كيانه إلاّ إذا ملأهما روح الله. فالمادّة بحاجة إلى روح إلهيّة تُحييها لتستطيع أن تقودَ الإنسان إلى ملء الحياة. هل يدرك المسيحيّون في لبنان رسالتهم هذه، وهل يظهر وجه الله فيهم وفي سلوكهم؟

Share this: