Press Releases

الصلاة، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – النهار

11 March 2017


 

هناك، بحسب السيّد المسيح، ثلاثة أنواع من الصلاة: صلاة المرائين، وصلاة الوثنيّين، وصلاة تلاميذ يسوع. فعن صلاة المرائين يقول السيد المسيح: "ومتى صليتم فلا تكونوا كالمرائين: فإنّهم يحبّون أن يصلّوا قيامًا في المجامع، وفي ملتقيات الطرق لكي يظهروا للناس... وأمّا أنتَ فإذا صليتَ فادخلْ حجرتكَ، وأوصد الباب، وصلّ لأبيك الذي هو هناك في الخفاء. وأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك". وعن صلاة الوثنيّين، يقول: "وإذا صليتم فلا تثرثروا كالوثنيّين: فإنّهم يتصوّرون أنّهم بكثرة الكلام يُستجابُ لهم. فلا تتشبّهوا بهم لأنّ أباكم عالمٌ بما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه". ثم يتوسّع في موضوع الطلب في الصلاة، فيقول: "فلا تهتمّوا قائلين: ماذا نأكل؟ أو: ماذا نشرب؟ أو: ماذا نلبس؟ فإنّ هذا كلّه يطلبه الوثنيّون بدأب. وإنّ أباكم السماويّ عالمٌ أنّكم تحتاجون إلى هذا كلّه. فاطلبوا أوّلاً ملكوتَ الله وبرّه، وهذا كلّه يُزاد لكم" (متى 31:6-33).

 

الصلاة في كلّ الأحوال هي اتّصالٌ بالله. لكنّ الفرق هو في تحديد موضوع هذا الاتّصال. فالمراؤون الذين يُصلّون ليظهروا للناس لا يتّصلون بالله من أجل تمجيد الله بل من أجل تمجيد أنفسهم. والوثنيّون، الذين يطلبون ما يأكلون أو ما يشربون أو ما يلبسون، لا يتّصلون بالله طلبًا لله بل سعيًا وراء مصلحتهم الشخصيّة الماديّة. فالذي يصلّي في هاتين الحالتين يستعمل الله وسيلة إمّا لتمجيد نفسه وإمّا لتلبية حاجاته الماديّة. صلاة المرائين نجدها اليوم عند المسيحيّين الذين يعدّون الصلاة وممارسة الأسرار، ولا سيّما منها المعموديّة والزواج، مجرَّد واجب اجتماعيّ يكون الله فيه بعيدًا منهم، بحيث لا تغيّر الصلاة شيئًا في حياتهم. وصلاة الوثنيّين نجدها عند المسيحيّين الذين لا يصلّون إلاّ إذا وقعوا في ضيق وكانوا في حاجة لطلب شيء ما من الله. أمّا يسوع فيعلّمنا أنّ موضوع الصلاة هو طلب "ملكوت الله"، أي الطلب أن يملك الله على قلبنا. ومتى ملأ الله قلب الإنسان، وانسجمت إرادة الإنسان مع إرادة الله، حينئذ "تُزاد" الأمور الماديّة، أي تنتج بشكل طبيعيّ من عمل الإنسان المنسجم مع إرادة الله.


ذلك بأنّ الله قد خلق العالَم ووضع فيه كلّ ما يلزم لتلبية الحاجات الماديّة للإنسان. فإذا عاش الناس في محبة الله ومحبة بعضهم البعض بحسب وصايا الله، تصير خيرات الأرض كافية لتلبية حاجات كلّ الناس. لكنّ المشكلة هي في الطمع الذي يحمل الناس على استغلال بعضهم البعض. فيشبع البعض فيما يجوع البعض الآخر. فالصلاة إلى الله ليس من شأنها أن تحمل الله على أن يتدخّلَ تدخّلاً مباشرًا لحلّ مشكلة الجوع في العالم. إنّما تهدف إلى تغيير قلب الإنسان بحيث يمتلئ محبة ورحمة. ومتى انسجم قلبه مع قلب الله، حينئذ يعمل هو، بما وضع الله من إمكانات في العالم، لإيجاد الحلّ الملائم لمشكلة الجوع وباقي مشكلات العالم.

 

الصلاة الوثنيّة وما يرافقها من طقوس دينيّة تهدف إلى تغيير إرادة الله لصالح المصلّي. أمّا الصلاة المسيحيّة فتهدف إلى تغيير قلب المصلّي لينفتحَ على إرادة الله ويعمل بها في حياته. فمن يخرج إلى الشمس، لا يخرج ليغيّر الشمس بل ليتغيّر هو فيمتلئ من نور الشمس وحرارتها. في الصلاة الوثنيّة يطلب الإنسان من الله أن يحقّق طلباته من دون أيّ التزام من قبله. أمّا في الصلاة المسيحيّة فالإنسان يتّصل بالله ليعرفَ إرادتَه ويحقّق هو نفسه، بمؤازرة نعمة الله، ما يطلبه من الله. فإذا صلّى الإنسان من أجل السلام ولم يلتزم بالعمل من أجل إحلال السلام، لا جدوى من صلاته. وإذا طلب من الله أن يُطعِم الجائعين ولم يلتزم هو نفسه العمل لإطعام الجائعين، تكون صلاته فارغة المعنى.

 

في الصلاة المسيحيّة يتقرّب الإنسان من الله ليكتشف إرادتَه ويمتلئ من روح قداسته، ويلتزم تحقيق ما يطلبه. وهذا ما علّمنا إيّاه السيّد المسيح في الصلاة الربيّة: "أبانا الذي في السماوات، ليتقدّس اسمكَ، ليأتِ ملكوتكَ، لتكن مشيئتكَ على الأرض كما هي في السماء" (متى 9:6-10). وفي نزاعه في بستان الزيتون، صلّى قائلاً: "يا أبتاه، إن أمكن فلتعبرْ عنّي هذه الكأس. لكن لا تكنْ مشيئتي بل مشيئتكَ" (متى 36:29). وحقّق مشيئةَ الله بقبوله الموت من أجل فداء العالم. على مثال هذه الصلاة ينبغي أن تكون كلّ صلاة مسيحيّة.


تهدف الصلاة إلى العمل على تحقيق مشيئة الله على الأرض كما هي في السماء، بحيث يكون لنا على هذه الأرض بعضُ أيّام السماء.

Share this: