Press Releases

أبانا الذي في السموات، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – النهار

18 March 2017


 

"وذات مرّة كان يسوع يصلّي في مكانٍ ما. فلمّا فرغ قال له واحد من تلاميذه: ربّ، علمنا أن نصلّي كما علّم يوحنّا تلاميذه. فقال لهم: متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات... " (لوقا 1-2:11). هذه الصلاة ندعوها الصلاة الربِّيَّة، لأنّ الربّ يسوع هو الذي علّمنا إياها. وهي تبدأ بالتوجّه إلى الله، الذي يدعوه يسوع "أبانا".


كلّ الأديان تهدف إلى التعريف بالله وإلى تحديد العلاقة بين الله والإنسان. جاء يسوع ليعرّفنا بالله، كما يقول في صلاته الأخيرة في أثناء العشاء السرّي: «يا أبتِ، لقد أعلنتُ اسمكَ للناس الذين أعطيتَهم لي من العالم" (يوحنا 6:17). هذا الاسمُ هو اسم «الأب». إلهنا هو أبٌ لكونه أوّلاً خالقَنا، ومصدرَ وجودنا وحياتنا. هذا ما يعلنه قانون الإيمان في بنده الأول: «أؤمن بإلهٍ واحدٍ أبٍ ضابطِ الكلّ خالقِ السماءِ والأرض». والسيّد المسيح، في كثير من تعاليمه، يعود إلى هذه الحقيقة الأساسيّة في تحديد العلاقة بين الله والإنسان. فكلّ مرّة يتكلم على الله يدعوه أبًا، ويتوجّه إلى الناس بقوله «إنّ أباكم السماويّ»: «أنظروا إلى طيور السماء، إنّها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع في الأهراء، وأبوكم السماويّ يقوتُها» (متى 26:6). من كون الله خالق جميع الناس تنتج ضرورة التقارب والمودّة بين الناس، ولا سيّما بين الذين يؤمنون بالله الواحد من مختلف الأديان التوحيديّة. لذلك في كلام يسوع عن محبة الأعداء، يقول: «أحبّوا أعداءَكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنّه يُطلِع شمسَه على الأشرار والصالحين، ويُمطِر على الأبرار والأثمة» (متى 44:5-45). فالله هو خالق الكون وخالق جميع الناس ولا يميّز بينهم، بل يشملهم جميعًا بمحبته وعطاياه. ويطلب منهم أن يسلكوا على مثاله في محبة بعضهم بعضًا.

 

هذه التسمية لله هي انعكاسٌ للطريقة التي يدعو بها يسوع نفسُه الله. ففي صلاته يتوجَّه دومًا إلى الله داعيًا إيّاه "أبتِ"، كما في الدعاء التالي: "أحمدُكَ، يا أبتِ، ربّ السماوات والأرض، لأنّك حجبتَ هذه عن الحكماء والفُهَماء وكشفتها للأطفال. أجل، أيّها الآب، إنّه هكذا حَسُنَ لديك". ثمّ يُضيف: "إنّ أبي قد دفع إليّ كلَّ شيء، فلا أحدَ يعرفُ الابنَ إلاّ الآبُ، ولا أحدَ يعرفَ الآبَ إلاّ الابنُ ومن يريد الابنُ أن يكشفَ له"(متى 25:11-27). وفي نزاعه في بستان الزيتون، صلَّى قائلاً: "يا أبتاه، إنْ كان يُستطاعُ فلتعبرْ عنّي هذه الكأسُ! ولكن، ليس كما أشاءُ أنا بلْ كما تشاء أنتَ" (متى 39: 26). وعلى النحو عينه كانت صلاتُه وهو معلَّقٌ على الصليب, فقد صلّى إلى الله ليغفرَ للّذين صلبوه، قائلاً: "يا أبتاه، اغفرْ لهم لأنّهم لا يعرفون ماذا يفعلون" (لوقا 34: 23). وأسلم الروح بين يدي الله قائلاً: "يا أبتاه، في يديكَ أستودعُ روحي" (لوقا 46:23). فالعلاقة بين يسوع والله، التي ظهرت على أنّها علاقة بين الابن وأبيه، أراد يسوع أن تكونَ علاقتنا بالله على مثالها، أي علاقة أبناء «بأبيهم السماويّ". لذلك عندما علّمنا أن نصلّي، بدأ بالقول: "أبانا الذي في السماوات".

 

صلاة "الأبانا" ليست صلاة شخصٍ واحدٍ فحسب. بل هي صلاة شعب الله بأجمعه، أولئك الذين يؤمنون بيسوع المسيح ويعترفون بالله أبًا ويولدون منه ولادة جديدة بالماء والروح. هؤلاء يشكّلون الكنيسة الواحدة، التي يصير فيها الناس أعضاء من خلال المعموديّة الواحدة.

 

إنّ شعب الله يذهب إلى أبعدَ من المسيحيّين ليشملَ في الصلاة جميعَ الناس الذين ما زالوا لا يعرفونَ الله على حقيقته، ولأجلهم جاء يسوع ليجمَعهم في الوحدة، لتصير البشريّة كلّها أسرة واحدة، يدعو فيها جميع الناس الله "أبانا". هذا هو قصد الله منذ الأزل: أن يعترف جميع الناس بالله أبًا من خلال معرفة يسوع المسيح ابن الله، ويعتبر بعضهم بعضًا إخوة في الله الأب الواحد للجميع. هذا هو الأساس الثابت والراسخ للسلام بين الشعوب الذي تسعى إليه البشريّة كلّها. ولهذا أرسل يسوع تلاميذَه: "إنّي قد أعطيتُ كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا إذن وتلمذوا جميع الناس، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميعَ ما أوصيتكم به. وهاءَنذا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاءالدهر" (متى 18:28-20).

 


"الذي في السماوات": هذا التعبير الكتابيّ لا يعني أنّ الله موجودٌ في مكانٍ ما، يدعى السماوات. إنّه ليس تعبيرًا مكانيًّا بل هو تعبيرٌ عن صفة يتّصفُ بها الله وحدَه. وهو مرادف لتعبير "الآب السماويّ"، أي الذي يسمو بقداسته على كلّ ما على الأرض، وهو في الوقت عينه قريبٌ من كلِّ إنسان ويشمل جميعَ الناس بمحبّته وعنايته.

 

Share this: