Press Releases

ارحموا بعضكم بعضاً – سيادة المطران كيرلس سليم بسترس - النهار

17 December 2016


 

 

التطويبة الخامسة من عظة يسوع على الجبل تتناول موضوع الرحمة: «طوبى للرحماء، فإنّهم يُرحَمون} (متى 7:5). ويدعو يسوع الناس إلى أن يكونوا رحماء على مثال الله، الآب السماويّ: «كونوا رحماء كما أنّ أباكم هو رحيم} (لوقا 36:6). فالرحمة تبدأ دائمًا من الله الذي يرحم، ويدعو الناس الى الاقتداء به، كما جاء في مثل العبد الشرّير الذي سامحه سيّده بعشرة آلاف دينار، ولم يرحمْ رفيقَه الذي كان له عليه مئةُ دينار، فمضى وطرحه في السجن حتى يفي الدين. «حينئذ دعاه سيّدُه وقال له: أيّها العبدُ الشرّير، لقد تركتُ لكَ كلَّ ذلك الدَّيْنَ لأنّكَ تضرَّعتَ إليَّ. أفما كان ينبغي لكَ أنت أيضًا أن ترحمَ صاحبَكَ كما رحمتُكَ أنا؟ وغضبَ سيّدهُ ودفعه إلى الجلاّدينَ حتى يوفيَ كلَّ ما عليه}. ثم يختمُ يسوع المثلَ بقوله: «هكذا أبي السماويّ يفعلُ بكم إنْ لمْ تغفروا كلُّ واحد لأخيه من كلّ قلبه} (متى 23:18-35).


كيف نصيرُ رحماء؟ بالارتداد والاهتداء إلى رحمة الله لنا. الوحيُ كلُّه يبيّن لنا أنّنا لا نعرف أن نُحِبَّ وأنّ قلوبَنا هي قاسية وبلا رحمة. لذلك أرسل الله إلينا يسوع المسيح ليعلّمنا كيف نُحِبّ ونرحم، ويملأ قلوبَنا بمحبّته ورحمته.


ويؤكّد يسوع أنّ الرحمةَ لا تقتصر على الأقرباء. بل كلّ إنسان بحاجة إلى رحمة يجب أن يكونَ موضوعَ رحمتنا، كما بيّن ذلك في مثل السامريّ الرحيم، الذي يروي أنّ رجلاً كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا، فوقع بين أيدي اللصوص. فعرَّوه وأوسعوه ضربًا ومضوا وقد تركوه على قارعة الطريق بين حيّ وميْت. فمرّ به كاهنٌ ثم لاويّ، ولم يكترثا له. «ثمّ إنّ سامريًّا في سفَر مرّ به فرقّ لحاله. فمال إليه وضَمَدَ جراحَه صابًّا عليها زيتًا وخمرًا، وحمله على دابّته الخاصّة وأتى به الفندقَ واعتنى بأمره. وفي الغد أخرج دينارَيْن وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: مهما أنفقتَ فوقَ هذا أدّيتُه لكَ عندما أعود}. هذا المثل أعطاه يسوع جوابًا عن سؤال طرحه عليه شابّ: «من قريبي}؟ وفي نهاية المثل يسأل يسوعُ الشابّ: «فأيّ هؤلاء الثلاثة، في رأيكَ، كان قريبًا للذي وقع بين أيدي اللصوص؟ قال له: 'الذي صنعَ معه الرحمة'. فقال له يسوع: 'اذهبْ واعمل، أنتَ أيضًا، هكذا'} (لوقا 29:10-37).

 

لقد أظهر يسوع رحمةَ الله بنوع خاصّ في قبوله الخطأةَ وتناول الطعام معهم. وإذ تذمّرَ الكتبة والفرّيسيون قائلين: «هذا الرجل يقبلُ الخطأةَ ويأكل معهم}، أجابهم يسوع: «اذهبوا واعلموا ما معنى: إنّي أريد الرحمة لا الذبيحة} (متى 13:9). في هذا القول يوضح السيّد المسيح جوهر الدين. فالدين لا يقوم أوّلاً على تقديم الذبائح لله وممارسة ما يشبهها من طقوس خارجيّة. فهذه كلّها ليست سوى وسائل لبلوغ الأساس، وهو الاتّحاد بالله للاقتداء به وبرحمته.


بلداننا العربية هي بلدانٌ متديّنة، تكثر فيها الطقوس الدينيّة، ولكنّنا نتساءل، إزاء ما يجري فيها من حروب ودمار وتقاتل بين أبنائها، أين هي الرحمة؟ ولبنان، المكوّن من طوائف دينيّة متعدّدة، أين هي الرحمة في مؤسَّساته، ولا سيّما منها مؤسَّسات الدولة، عندما لا يزال يعيش جزء كبير من سكّانه تحت خطّ الفقر، فيما يتناحر المسؤولون عن الدولة لكسب ما يستطيعون من مغانم، غير آبهين بمصير من انتخبوهم للحفاظ على حياتهم وعلى كرامتهم.


لقد أعلن قداسة البابا فرنسيس سنة 2016 سنة يوبيل الرحمة. وذكّر في الرسالة التي نشرها في هذه المناسبة بأنّ الرحمة لا بدّ من أن تتجسّد بشكل واقعيّ في أعمال الرحمة السبعة التقليديّة، والوارد معظمها في المثل الذي يصف فيه يسوع مشهد ما سوف يجري في الدينونة العامّة (أنظر متى 31:25-46): "إطعام الجائعين، إرواء العطاش، إكساء العريانين، إيواء الغرباء، عيادة المرضى، زيارة السجناء، ودفن الموتى". ثمّ أضاف قداسته أعمال الرحمة الروحية السبعة: "إرشاد الضالّين، تثقيف الجهّال، تنبيه الخطأة، تعزية المحزونين، غفران الإساءات، احتمال الأشخاص المزعجين، الصلاة من أجل الأحياء والأموات". وختم بقوله: «إنّ رسالة الكنيسة، ولا سيّما في عصرنا المليء بالآمال الكبيرة وبالتناقضات القويّة، تقوم على إدخال كلّ إنسان في هذا السرّ العظيم، سرّ رحمة الله، وذلك من خلال التأمّل في وجه المسيح. الكنيسة مدعوّة إلى أن تكون الشاهدَ الحقيقيّ على الرحمة، بإعلان وعيش هذه الرحمة على أنّها محور الوحي الذي جاءنا به يسوع المسيح. لتكن الكنيسة صوتَ كلّ إنسان، ولتردّد بثقة وبدون كلل: "أذكرْ يا ربّ حنانكَ ومراحمَكَ، فإنّها قائمة منذ الأزل" (مزمور 6:25).

 

 

Share this: