Press Releases

طوبى للمضطهدين من أجل البر، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – النهار

11 February 2017


 

 

"طوبى للمضطَهَدين من أجل البرّ فإنّ لهم ملكوتَ السماوات" (متى 10:5). هذه التطويبة من عظة يسوع على الجبل تنطبق على ما يعانيه المسيحيّون اليوم من اضطهاد في مختلف أنحاء العالم، ولا سيّما في بلدان هم أقليّة فيها. ويتابع يسوع مخاطبًا تلاميذَه مباشرة: "طوبى لكم إذا أهانوكم، واضطَهَدوكم، وقالوا عليكم كلَّ كلمةِ سوءٍ من أجلي. افرحوا، وابتهجوا، فإنّ أجرَكم عظيم في السماوات. إنّهم هكذا اضطَهَدوا الأنبياء الذين قبلكم" (متى 11:5-12).


المطلوب من تلاميذ يسوع أن يبشّروا بما علّمهم إيّاه يسوع، وإن كان ذلك يناقض منطقَ العالَم الشرّير. إنّ التبشير بتعاليم يسوع وعيشَ البرّ والقداسة لا يوفّران الأمانَ لتلاميذ يسوع. وهذا ما أنبأ به يسوع تلاميذه: " إذا أبغضكم العالَم فاعلموا أنّه قد أبغضني قبلَكم. فلو كنتم من العالَم لأحبّ العالم ما هو له. ولكن، لأنّكم لستم من العالم، ولأنّي باختياري لكم أخرجتُكم من العالم، لذلك يُبغِضكم العالم. اذكروا الكلامَ الذي قلته لكم: ليس العبدُ أعظمَ من سيّده. فإذا كانوا قد اضطَهَدوني فسيَضطَهِدونكم أنتم أيضًا" (يو18:15-19).


إنّ ما يعانيه المسيحيّون اليوم من اضطهاد يذكّرنا أيضاً بما قاساه القديسون والشهداء من عذابات من قِبَل الوثنيّين في مختلف أنحاء الامبراطوريّة الرومانيّة للمحافظة على إيمانهم بالمسيح. فما كانوا يقومون به من عبادة لله ومن اعتراف بـ«المسيح الربّ» كان يناقض عبادة الامبراطور الذي كان يُعتبَر «كإله»، ويُعَدّ هو وحده «الربّ». على ضوء كلّ هذا التاريخ نستطيع أن نفهمَ معنى هذه التطويبة المتعلّقة بالاضطهادات «من أجل البرّ»، ونفهم معنى قول يسوع: «من أراد أن يتبعَني فليُنكِرْ نفسَه، ويحمِلْ صليبَه ويتبعني» (متى 24:16).

 

واليوم أيضًا لا بدّ لنا أن نتابع شهادتَنا للإنجيل ونحملَ صليبنا مع المسيح. فالمسيح قد افتدى العالَم بصليبه. والاضطهادُ من أجل البرّ هو مشاركة المسيح في هذا الفداء. عندما مثل يسوع أمام بيلاطس الوالي، سأله بيلاطس: «أأنتَ ملك؟» أجابه يسوع: «إنّ مملكتي ليست من هذا العالم». ثمّ أضاف: «أنت قلتَ. إنّي ملك، وإنّي لهذا وُلِدتُ، ولهذا جئتُ إلى العالَم، أن أشهدَ للحقّ. فكلّ من كان من أهل الحقّ يسمع صوتي» (يوحنا 36:18-38). إنّ مملكة المسيح هي مملكة الحقّ. وهذه المملكة لن يكون لها انقضاء. لقد أدلى يسوع بشهادته للحقّ حتى الموت. لكنّه قام، وشهادته للحقّ استمرّت من بعد قيامته. والشهداء من بعده اضطُهِدوا وماتوا، لكنّ شهادتَهم بقيت. هم استُشهِدوا، لكنّ شهادتهم استمرّت، ومن خلال هذه الشهادة التي لا يمكن أن تموت استمرّت حياتهم. وهذه الشهادة هي التي تُحيي الناس على مدى الأجيال، ومن خلالها تستمرّ شهادة يسوع ويستمرّ ملكوتُ الله على الأرض، ملكوت البرّ والمحبة.


بقدر ما يدخل التلميذُ في عمل الفداء هذا بالقدر عينه يتمّ فيه قولُ السيّد المسيح: «افرحوا، وابتهجوا، فإنّ أجرَكم عظيمٌ في السماوات» (متى 12:5). الفرح الذي يعد به يسوع تلاميذَه، ضمن الاضطهادات، لا يُفهَم إلاّ في سياق مشاركتهم في فداء العالَم بالصليب. وإنّ «الأجرَ العظيم في ملكوت السماوات» لا ينبغي فهمُه على أنّه سيتمّ فقط بعد الموت. فمنذ الآن، وضمن الاضطهاد، من يُضطَهَد من أجل المسيح يعيش في قلبه فرحَ الفداء باستمرار الشهادة من أجل الحقّ، وفرحَ رؤية المسيح القائم من بين الأموات. هذا ما يؤكّده بولس الرسول بقوله «إنّي لأفرح الآن في الآلام التي أقاسيها لأجلكم، وأُتِمُّ في جسدي ما ينقص من مضايق المسيح لأجل جسده الذي هو الكنيسة» (كولسّي 24:1). تلك هي المفارقة المسيحيّة: الفرح وسط الاضطهادات والفرح وسط آلام العمل الرسوليّ. ولا يمكن تفسير هذه المفارقة إلاّ بالمشاركة في سرّ الفداء الذي أتمّه المسيح على الصليب.

 

Share this: