Press Releases

طوبى لصانعي السلام، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – النهار

4 February 2017


 

 

 

وسط أجواء الحرب والعنف والقتل التي تسود الشرق الأوسط، لا يزال يدوّي صوت معلّم وقف منذ ألفي سنة على هضبة قرب بحيرة طبريّة في فلسطين قائلاً: "طوبى لصانعي السلام، فإنّهم أبناءَ الله يُدعَون" (متى 9:5)

 

السلام الذي يطلبه الربّ يسوع من تلاميذه هو نفسُه السلام الذي يُعطيهم إيّاه، كما قال لهم في أثناء العشاء السرّيّ: "السلامَ أستودِعُكم، سلامي أُعطيكُم. لستُ كما يُعطيه العالمُ أُعطيكموه. فلا تضطربْ قلوبُكم ولا تجزَع" (يو 27:14). السلام الذي يُعطيه المسيح هو سلام المؤمن الذي لا يضطرب قلبُه ولا يجزع، لثقته بالله وإيمانه بأنّ يسوع معه "كلَّ الأيّام إلى انقضاء الدَّهر" (متى 20:28). السلام الذي يُعطيه المسيح هو السلام الذي حقّقه هو نفسُه بموته على الصليب وقيامته وإرساله الروح القدس على التلاميذ، والذي هو أساس السلام المطلوب من الإنسان أن يصنعه. من امتلأ من سلام المسيح يستطيع بدوره أن يكونَ صانعَ السلام.

 

يقول الكاردينال جان - ماري لوستيجيه: "ما هو السلام المقصود صنعُه ليُدعى الإنسان ابنَ الله؟ إنّه ليس سلامَ المقابر، ولا سكينةَ الناس النائمين، ولا جمودَ الضمائر المخدَّرة، ولا إبعادَ الصراعات، ولا هو مجرَّدُ غيابِ العنف. السلام الحقيقيّ يقتضي تغيّرَ قلب الإنسان الذي يُسيء إلى قريبه، ويهاجم أخاه، ويجرح الله. الخلاص من الخطيئة يستطيع وحده أن يمنحَ السلام. فهو إذن قبل أيّ أمرٍ آخر عملُ المسيح، وقد أَتمَّه على الصليب". ثمَّ يُضيف: "'صُنعُ السلام'، ليستحقَّ الإنسان أن يُدعى 'ابنَ الله'، يقوم على إحلال المحبة بدل البغض، على الإجابة عن البغض بالمحبة. وهذا ما يوضحه يسوع في عظة الجبل: 'أَحِبُّوا أَعداءَكم. وصلّوا لأَجل الذين يضطهدونَكُم، لكي تكونوا أَبناءَ أَبيكم الذي في السَّماوات، فإنّه يُطلِع شمسَه على الأشرار والصالحين، ويُمطِر على الأبرار والظالمين' (متى 44:5-45). وهذا لن يمكنَ التوصّلُ إليه إلاّ بالاتّحاد بالمصلوب الذي طلب إلى الآب أن يغفرَ لجلاّديه، والذي ببذل حياته أعطانا المحبّة" . "صانعو السلام" هم إذن الذين يقبلون الدخول في سرّ الفداء ويبقون متّحدين بالمسيح الذي يغفر للجميع، وليس فقط لجلاّديه.

 

ثمّة أمور كثيرة تشكّل خطرًا على السلام. يقول البابا فرنسيس، في رسالته ليوم السلام العالميّ (1/1/2013): "ما يُقلِقنا إنّما هي محاور المشادّات والمنازعات الناجمة عن عدم المساواة المتنامي بين الأغنياء والفقراء، وعن سيطرة ذهنيّة أنانيّة وفردانيّة يُعبَّر عنها من خلال رأسماليّة ماليّة لا حدّ لها. وعلاوة على ذلك فالأشكال المختلفة من الإرهاب ومن الإجرام الدوليّ، والأصوليّات وأشكال التعصّب، التي تشوّه الطبيعة الحقيقيّة للدين المدعوّ إلى تعزيز الشركة والمصالحة بين الناس، كلّ هذا يشكّل خطرًا على السلام". ثم يُضيف قداسته: "إنّ السلام يشمل كلّ الشخص البشريّ ويتضمّن الإنسانَ بمجمله. إنّه السلام مع الله بالعيش بحسب إرادته. إنّه السلام الداخليّ مع الذات والسلام الخارجيّ مع القريب ومع الخليقة كلّها. وهو يقتضي بنوع خاصّ بناءَ عيش مشترَك مبنيّ على الحقيقة والحريّة والمحبة والعدالة. إنّ تحقيقَ السلام يتعلّق قبل أيّ أمرٍ آخر بالاعتراف بأنّنا، في الله، أسرةٌ بشريّة واحدة. السلام هو نظامٌ تُحييه وتنسّقه المحبة، بحيث يشعر كلّ واحد باحتياجات الآخرين ومتطلّباتهم كأنّها احتياجاته ومتطلّباته، ويشارك الآخرين في خيراته الخاصّة وينشر أكثر فأكثر الشركةَ في القيم الروحيّة في العالَم".

 

عندما يطلب يسوع من الجميع أن يسعوا إلى السلام من خلال محبّة الأعداء، يُوضح السبب: "لكي تكونوا أبناءَ أبيكم الذي في السماوات". فالله هو إله السلام، ولا أعداء له، إذ أنّ جميع الناس هم أبناؤه، فقد خلقهم على صورته ومثاله. ويبقون أبناءَه، وإنْ ضلّوا. وبصنعهم السلام على مثاله يحقِّقون بُنوَّتَهم الإلهيّة، ويُدعَونَ حقًّا أبناءَ الله.

Share this: