Press Releases

القلب النقي، سيادة المطران كيرلس سليم بسترس – النهار

28 January 2017


 

 

 

"طوبى لأنقياء القلوب، فإنّهم يعاينون الله" (متى 8:5). هذه التطويبة السادسة من عظة يسوع على الجبل تحدّد هويّة الإنسان في العلاقة بينه وبين الله. ففي الإنسان رغبة دائمة في تجاوز ذاته للوصول إلى المطلق وإلى معاينة الله. هذا ما رواه الكتاب المقدس في سيرة النبيّ موسى. فعندما تراءى له الله في العلّيقة المحترقة، قال له موسى: «أرني مجدَكَ»، فأجابه الله: «لا تستطيع أن ترى وجهي، لأنّه لا يراني إنسانٌ ويبقى حيًّا» (خروج 6:3). لكنّ موسى، في نهاية خبرته الروحيّة، أصبح يخاطبُ الله «وجهًا لوجه، كما يخاطبُ المرء صاحبَه» (خروج 29:34)

 

الشرط الذي وضعه يسوع لمعاينة الله هو نقاوة القلب. كان اليهود يرون النقاوة والطهارة في غسل الأيدي وباقي أنواع الوضوء الخارجيّة. الشيء الجديد الذي أدخله يسوع على تعليم الفرّيسيّين والكتبة هو الفرق بين ما هو خارج الإنسان وما هو في داخله: «ما من شيء ممّا هو خارج الإنسان إِذا دخل الإنسان يُنجِّسه، بل ما يخرج من الإنسان هو الذي يُنجِّس الإِنسان... لأنّه من الباطن، من قلوب الناس تَنبعث النيّاتُ الشريرة: الفِسْق والسرقة والقتل، والزنى والطَمَع والخُبْث، والمَكْر والفجور والحَسَد، والاغتياب والكبرياء والسَّفَه» (مرقس 15:7،21-22). ولكن هناك أكثر من النقاش حول ضرورة الوضوء، أو حول أيّ من الأطعمة هي طاهرة وأيّها هي نجسة. الموضوع الأساسيّ في العمق يكمن في السؤال التالي: أين يقع الشرّ في العالَم، في الأشياء الخارجيّة أم في قلب الإنسان؟ عندما قال الإنجيل: «بهذا الكلام أعلن يسوع أنّ جميع الأَطْعِمَةِ طاهرة» (مرقس 19:7)، حدّد في الوقت عينه موضعَ الشرّ. يقول الفيلسوف ميشال هنري: «هذا الإعلان الذي يستفزّ كلّ المتمسِّكين بحرف الشريعة يتضمّن تحديدًا ماورائيًّا. فلا يكتفي بالقول، كما سيفعل هيغل بعد ذلك بتسعة عشر قرنًا، 'إنّ الحجر وحدَه بريء'. بل ينبغي تمديد هذا القول على كلّ ما يُشبِه الحجر. كلّ ما هو مادّيّ، كلّ ما يقع في نطاق البحث العلميّ، كلّ ما لا يشعر بشيء ولا يُحِسّ بشيء، كلّ ما هو غريب عن الإنسان، كلّ هذا بريء. هذا ما يعنيه قول الإنجيل 'بهذا الكلام، أعلن يسوع أنّ جميع الأَطعمة طاهرة'. أمّا الشرّ فلا وجود له إلاّ في قلب الإنسان، ويصدر عن هذا القلب – حيث يشعر الإنسان بما يشعر، وحيث يُدرِك نفسَه ويشعر بنفسه، حيث هو إنسان، بخلاف كلّ 'الأشياء'... إنّ تحديد موضع الشرّ، المدعوّ هنا 'نجاسة'، لا ينطوي فقط على أخلاقيّة في نطاق سلوك الإنسان، بل يتضمّن تحديدًا للوضع البشريّ يرى جوهرَه، كما رأينا، في 'القلب'.

 

انطلاقًا من هذا التحديد، يمكن فهم معنى نقاوة القلب التي يتكلّم عليها يسوع، واعدًا «أنقياء القلوب» بالسعادة. فالنقاوة لا تكمن في ما هو خارج الإنسان، بل في القلب. والقلب النقيّ هو المتحرِّر من كلّ الشرور. القلب النقيّ هو القلب غير المستعبَد للأشياء الخارجيّة التي لا تزيد شيئًا على جوهر الإنسان، بل بخلاف ذلك تقيّده بحيث لا يعود يفكّر في أمور الله وفي نفسه المخلوقة على صورة الله. الاستعباد لأمور الخارج هو مثل عبادة الأصنام. ومن يعبد الأصنام لا يعود في قلبه أيّ محلّ لعبادة الله. وفي هذا السياق، كيف يستطيع أن يعاينَ الله من كان سجين هذه الأمور الرديئة؟

 

المسألة الأساسيّة في الأنثروبولوجيا الإنجيليّة تقوم على تحديد الإنسان انطلاقًا من ذاته وليس ممّا يملك من أمور خارجيّة. القلب النقيّ هو القلبُ الذي ارتدّ إلى الله، الذي قَبِلَ الله في عمق ذاته وصار واحدًا معه، هو القلبُ الذي بملء حريّته رأى في الله غايتَه القصوى ووجَّه كلَّ أعماله نحو الله ونحو تتميم إرادته. هذا ما بيّنه يسوع لتلاميذه في أثناء العشاء السرّي، حيث قال لهم: «من كان عنده وصايايَ وحفظَها فهو يُحِبُّني، والذي يُحبُّني يُحبّه أبي، وأنا أحبُّه وأُظهِر له ذاتي... وإليه نأتي وعنده نجعل مُقامنا» (يو 18:14-24). إنّ رؤية الله تصل إلى أَوْجِها عندما يُقيم الله في قلب المؤمن، الذي يحفظ وصايا الله ويعمل بكلامه. إنّها ليست رؤية نظرية بل رؤية فعليّة. فبقدر ما ينقّي المؤمنُ قلبَه ويعمل بكلام المسيح، بالقدر عينه يستطيع أن يرى الله.


إنّ معاينةَ الله لا تقتصر على هذه الحياة. بل ستصل إلى كمالها في الدهر الآتي، كما يقول بولس الرسول: «الآن ننظر في مرآة، في إبهام، أمّا يومئذ فوَجْهًا إلى وَجْه» (1 كورنثس 12:13).

Share this: