Press Releases

تمر بنا الأعوام مرور الطير – سيادة المطران كيرلس سليم بسترس - النهار

31 December 2016


 

 

هذه الليلة نبدأ عامًا جديدًا. ونتمنى بعضنا لبعض الخير، من غير أن نعلم ما الذي ينتظرنا في العام الجديد. الأعوام تمرّ الواحد تلو الآخر، وتمرّ بنا مرور الطير، كما يقول سفر المزامير: "أيّام سنينا سبعون سنة، وإذا كنّا أقوياء فثمانون، ورغدها إنّما هو تعبٌ ووجع، وتمرّ بنا سريعًا مرور الطير. علّمنا أن نعدّ أيّامنا هكذا فنوجّهَ قلبنا إلى الحكمة" (مز 9:90-12). ويقول أيضًا: "الإنسان أيّامه كالعشب، وكزهر الحقل يُزهر، تهبّ عليه الريح فيزول، ولا يُعرَف موضعه من بعد. أمّا رحمة الربّ فمنذ الأزل وإلى الأبد على الذين يتّقونَه" (15:103).

 

في إنجيل طفولة يسوع يذكر القديس لوقا مرّتين كيف كان ينمو يسوع. فبعد تقدمة الطفل يسوع إلى الهيكل في اليوم الأربعين لميلاده، يقول: "وكان الولد ينمو ويتقوّى، ممتلئًا حكمة، وكانت نعمة الله عليه" (لوقا 40:2). وبعد لقاء يسوع في الهيكل مع العلماء، وكان له من العمر اثنتا عشرة سنة، يقول: "وكان يسوع يتقدّم في الحكمة والبِنية، وفي الحظوة عند الله وعند الناس" (لوقا 52:2).


الحكمة التي يذكرها سفر المزامير ويذكرها الإنجيل هنا تقوم على أن نعرف من هو الله الذي نؤمن به، ومن نحن وكيف ينبغي لنا أن نسلك في كلّ يوم من أيّام حياتنا. الحكمة تقوم على أن ندركَ أوليّة محبة الله لنا، وأن تكون حياتنا جوابًا عن هذه المحبة، كما كتب بولس الرسول إلى تلميذه تيطس عن ظهور نعمة الله في شخص يسوع المسيح: "لقد تجلّت نعمة الله المخلّصة جميع الناس، مهذّبة إيّانا لننتبذَ النفاق والشهوات الدنيويّة، فنحيا، في الدهر الحاضر، على مقتضى التعقّل والعدل والتقوى" (11:2-12).

 

أن ننتبذ النفاق والشهوات الدنيويّة، ونحيا على مقتضى التعقّل والعدل والتقوى: تلك هي الصفات التي نرجو أن تطبعَ علاقات اللبنانيّين بعضهم مع البعض في هذه السنة الجديدة. لأنّ الحرب الأهليّة التي دمّرت الوطن وشرّدت الناس ولا تزال آثارها تعوق ازدهار لبنان حدثت بسبب غرق الكثيرين منّا في النفاق والشهوات الدنيويّة، وتصرّفهم بما يناقض التعقّل والعدل والتقوى. نأمل أن نكون قد تعلّمنا من أخطائنا.


التعقّل يقضي بأن ندرك نتائج كلّ عمل نريد القيام به: فالذين بدأوا الحرب عام 1975 واستمرّوا بها لم يُدرِكوا إلى أين ستصل بهم من قتل وتهجير ودمار؛ والعدل يطلب أن نعامل جميعَ الناس كما نريد أن يعاملونا؛ تلك هي قاعدة السلوك الذهبيّة التي أوصانا بها السيّد المسيح بقوله: "كلّ ما تريدون أن يفعله الناس لكم، افعلوه أنتم لهم، فذلك هو الشريعة والأنبياء" (متى 12:7)؛ والتقوى تجعلنا شاخصين دومًا ببصرنا إلى الله الذي أرسل إلينا ابنه يسوع المسيح لينير طريقنا ويكون هدف نموّنا. إنّه كلمة الله، أي التعبير عن عقل الله وفكر الله. لذلك هو "نور العالم"، وهو "الطريق والحقّ والحياة". وما دام البشر يرفضون الاستنارة بالعقل الإلهيّ، فسيبقون غارقين في ظلمات الجهل ومستنقعات العنف والدمار.

 

حياتنا هي مسيرة دائمة للبلوغ إلى ملء قامة المسيح، بحيث يصير فكرُ المسيح فكرَنا، وعملُ المسيح عملَنا. وهذا يتطلّب منّا تجدّدًا دائمًا لنميت فينا الإنسان العتيق الفاسد بشهوات الغرور ونلبس الإنسان الجديد الآتي من عند الله. المسيحيّة هي الاستمرار على مدى الزمان لتجسّد كلمة الله الذي حدث مرّة "لما بلغ ملء الزمان" في شخص يسوع المسيح، بحيث تصير البشريّة كلّها جسد المسيح الكونيّ، ويمتلئ الكون من ملء الله.


هذه أمنياتنا للعام الجديد. وكلّ عام وجميع اللبنانيّين بخير.

 

Share this: