Press Releases

متى يولد المسيح في قلوبنا؟ سيادة المطران كيرلس سليم بسترس - النهار

23 December 2016


 

 

 

منذ ألفي سنة وُلِد يسوع في بيت لحم، وأنشد الملائكة ترنيمة السلام: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة". ومنذ ألفي سنة لا نزال ننتظر هذا السلام الدائم الذي به يعتلن مجد الله، ويظهر حضوره على الأرض، ويمتلئ الناس من مسرّة الله. إنّ تاريخ البشريّة هو في الواقع منذ نشأتها تاريخ الحروب بين الدول والمجتمعات التي تكوّنها. إنّ نشيد الملائكة لن يتحقّق إلاّ بقبول الناس رسالة السلام التي جاء بها يسوع المسيح المخلّص. وهذا يتطلّب ولادة جديدة، كما قال السيّد المسيح لنيقوديمُس: "ما من أحد يستطيع دخولَ ملكوت الله ما لم يولَد من الماء والروح. ذلك بأنّ المولودَ من الجسد جسدٌ، والمولودَ من الروح روحٌ" (يوحنا 5:3).

 

المولودُ من الجسد جسدٌ هو. هذا يعني أنّ الإنسانَ يسلك في حياته انطلاقًا من أمياله وغرائزه التي تسيطر عليه وتستعبده وتطبع كلّ تصرّفاته. فيظنّ انّه يتصرّف بحريّة، لكنّه في الواقع أسير هذه الأميال والغرائز. فعندما يتكلّم، ليس هو الذي هو يتكلّم، بل أمياله هي التي تتكلّم فيه، وعندما يعمل ليس هو الذي يعمل، بل غرائزه هي التي تعمل فيه. ولا يستطيع أن يتحرَّر من كلّ هذه الأميال والغرائز إلاّ إذا جاءه إنسان حرّ يُدخل فيه روحًا جديدة تُعيده إلى نفسه وإلى المثال الأصليّ الذي خُلِق عليه. هذا ما عناه يسوع بقوله: "الحقّ الحقّ أقول لكم إنّ من ارتكب الخطيئةَ كان عبدًا للخطيئة. والعبد لا يقيم في البيت عل الدوام، بل الابن يقيم على الدوام. فإذا حرّركم الابن صرتم بالحقيقة أحرارًا" (يوحنا 34:8-36).

 

يسوع هو ابن الله الممتلئ نعمة وحقًّا. فبميلاده وُلِد إنسان جديد حرّ غير مستعبَد لقيود هذا العالَم وشهواته، بل مرتبط بالله في صميم كيانه. قال بولس الرسول: "إن كان أحدٌ في المسيح فهو خليقة جديدة" (2 كورنثُس 17:5) بميلاد المسيح ظهرت الخليقة الجديدة، واعتلن مجد الله على الأرض، ووُضِعت في العالَم بذورُ السلام، الذي لن يتحقّقَ إلاّ بإيمان الناس بهذا الإنسان الإلهيّ الجديد والاتّحاد بشخصه والامتلاء من حياته واتّباع تعاليمه.

 

إنّ معنى ميلاد المسيح لا يكتمل إلاّ عندما يولَد المسيح في قلب كلّ إنسان. فيصير حينئذ خليقة جديدة على صورة المسيح. وكما ظهر من خلال المسيح حضور الله على الأرض، كذلك يظهر حضور الله من خلال كلّ إنسان متّحد بالمسيح. يطلب الملحدون من المؤمنين أن يقدّموا لهم براهين عن وجود الله. ما من براهين عقليّة مقنعة عن وجود الله. البرهان الوحيد هو برهان وجوديّ: إنّه ظهور حضور الله في وجه المسيح وفي حياته. هذا البرهان يقدّمه المؤمنون بدورهم من خلال اتّحادهم بالمسيح والحياة بموجب تعاليمه ووصاياه. كلمة الله، الذي لا جسد له، تجسّد في شخص يسوع المسيح ابن الله. وتقوم رسالة المسيحيّين في العمل على استمرار هذا التجسّد من خلال شخصهم وحياتهم. هكذا يولَد المسيح في قلوبهم، وهكذا يظهر حضور الله في العالم.

 

ما نشهده اليوم في لبنان وفي مختلف البلدان العربيّة بعيدٌ كلّ البعد عن هذا الميلاد الإلهيّ: بدل السلام حروب ونزاعات، بدل الوحدة الوطنيّة انقسامات بين الطوائف، وبدل التفاهم المنفتح على الآخرين خلافات بين الأحزاب، وبدل العمل المتجرّد على مصلحة الوطن أنانيّات وسعي متكرّر إلى المصالح الشخصيّة والغايات الفرديّة.

 

المظالم والظلمات تملأ الأرض. ولكن هناك أيضًا أنوار وضاءة تتلألأ في مختلف أنحاء العالم، تستقي نورها من "المسيح شمس العدل". ثمّة قافلة من القديسين والشهداء والناس الصالحين وُلدوا من جديد مع المسيح وعاشوا على مثاله في المحبة وبذل الذات. هؤلاء هم رجاء مستقبل البشريّة.

 

متى يولَد المسيح في قلوبنا، ومتى يولَد في أوطاننا، كما وُلد منذ ألفي سنة على أرضنا؟ متى يصير كلّ إنسانًا خليقة جديدة على مثال المسيح ابن الله؟ متى تزول الظلمة عن بلداننا ليشرقَ عليها نور المسيح، كما أشرق في مغارة بيت لحم، فحوّلها إلى سماء؟ هذه رسالة وضعها الربّ بين أيدينا. فهل نعيها ونحقّقها؟

Share this: