News

كلمة نقيب المحامين في بيروت الأستاذ أنطونيو الهاشم في رثاء الفقيد الكبير النقيب ميشال ليان

11 January 2017





" لا مُذ بكَيتُكَ، لكن قبلُ، مُذ سكَتَتْ
يراعةٌ لكَ، قَلَّ الهمُّ في الغُصُنِ...".

في قمةِ العطاءِ، توقف القلبُ، وسقط القلمُ.
فما أتعس كلمات العزاءِ، وقد هوى الجبلْ. نرثيكَ ونبكيكَ، أم نرثي ونبكي أنفسَنا على فقدِك؟

لماذا نكثتَ عهدك وأضعتَ الشملَ؟
من أدواتِ السحرِ في هذا الوطن، ضاعت واحدة، وبرحيلِه عزَّ شأنُ الفراغِ.

النقيب ميشال ليان في ذمةِ الله... فقيدَنا جميعاً... فقيدُ المحاماةِ!

إقترنَ إسمُه بنقابتِه الأحبّ على قلبه، فتماهى بها إلى حدّ العشقِ الصادق، كما اقترن إسمه بمدينَتِه العزيزة على قلبِه أيضاً. فحين يلفظُ المرءُ إسم "زَحلة" إنما يحقق حالةَ إدغامٍ بين أجمل عطاءات الله، وفقيدِنا الكبير ميشال ليان...


أما وقد نكّست زحلة هامتُها على رحيلِه، فقد تداعى لها كل البقاعِ حزناً، على ملاكٍ رحلَ، وديعاً من غيرِ وداعٍ، فسكت القلمُ الغزيرُ بينابيعِ الأصالةِ المتدفقةِ تحت سماءِ هذا الوطن، ممتداً إلى وطنٍ أوسع، فانطبق عليه قولُ الأخطل:


" أيومَ أصبحتُ لا شمسي ولا قمري من ذا يغني على عودٍ بلا وترِ؟ "
رحلَ الجسدُ، وصمتَتِ الحنجرة. لكأنه شاءَ أن يودعَ أهلَه ورفاقَ دربِه في المحاماة بكلمة مؤثرة ألقاها، وكانت الأخيرة في حفل تكريمِ المحامين الذين أمضوا أكثر من خمسين عاماً في المهنة، وربما أرادها كلمةَ وداعٍ.

لم يمهلُهُ شبح الموتِ الذي خرقَ الوداعةَ ليخطفَ الملاكَ غِيلَةً، ولاتَ ساعةَ خطفٍ...
غادر مشتاقاً الى زحلة، عروسَ البقاعِ، " زحلتَهُ ".

غادر كرايةٍ خفقت لمرةٍ واحدةٍ وأخيرة، فذهب، ولَحِقت به حُزناً وريقات التينِ والعنبِ وأزرارُ الياسمينِ المترنّحةِ.

بيتُك الحزين على رحيلك – بيتَنا – لن يستعيدَ أيامَه الحلوة التي وعدتُه بها، وها هو القلم قد جفَّ حبرُه، وبقي إرثُك الطاهرُ النفيس، مُكْمِلاً طريقَه، طريقَ الحياةَ والخلود.

إصعد إلى العلى التي أنزلتَها بتواضعِك. إصعد ولا تتوقف، فكل الطَيباتِ فوق... هناك سيستقبلك أكابرُ الملكوتِ وعظماؤه.

ماذا أقول فيكَ، وبنبلِك أوشكت أن تكون قديساً.
فالنبلُ فيك أوشك أن يكون قداسةً، وحق أن أردد مع الراحل سعيد عقل:
" إن رُحْتُ أُطريه، يغضي رأسَه دَعَةً كرأسِ صِنينَ يهوي، إن هَوى، صُعدا "

فيا أنبلَ الأوفياءِ، بقيت قصةٌ واحدة فقط، انتزعَها منك الزمنُ ليرويها على نفسِه... إنها قصتُك أنت يا أبا فوزي.


من يدِه ما وقعَ القلمُ لأنه مات، وإنما مات لأنه كان قد وقعَ القلمُ...

تلك الكلمات تحضرني في هذا الخَطْبِ الجلَلِ. إنها المحاماة بدون واحد من أنهارِها، ذلك أن الراحلَ نهرٌ، شرطٌ فيه، أن تبقى له شيمة النبعِ.

أداةُ سحرٍ من المحاماة كُنت. ومن أدواتِ السحرِ في نقابة المحامين، ضاعت واحدةٌ، ولكأنك كنت ترددُ مع الشاعر:
" يا موتُ خُذْ جسدي واترك لروحي يدي لعلَّها كَتبت في رحلةِ الأبدِ... "
في كلمتي بك مكرَّماً، وفي حفل تقليدك ميدالية الممارسة الطويلة منذ قرابةْ الثلاثة أشهر، قلت:
أمامك ينهضُ استفهامٌ. تلك الخمسون سنة مرّت. فهل العيدُ اليومَ معك هو للخمسين عاماً من العمر أم لخمسين عاماً في المحاماة؟


أيها الغائبُ الحاضرُ، المحاماةُ كانت مصقولةً بك، وكنت مرآةً لها في دماثةِ الخُلقِ والكياسةِ والثقافةِ والبيانِ والحِجةِ القانونية وسموَّ الأخلاقِ.

وكانت الكلمةُ، كلمتَك أنتَ، بيانَ وداعٍ لنا جميعاً.

ذَكَّرتَنا بأنه يومَ اعتلّتِ العافيةُ في لبنان، كانت نِقابتُنا المِفْزَع... ويومَ اختلطت المقاييسُ والمناظيرُ، كانت نقابتُنا منارةَ المرافىءِ والشطآن... ويومَ انطفأت رجاحةَ الرأي ووحدةِ الكلمة، كانت نقابتُنا القبلة.

كنت المُطالبُ بوضع حدٍّ للفروقاتِ التي تفصلُ الفقراءَ عن الأغنياء، والأقوياءَ عن الضعفاءِ... كنت المطالبُ بوضعِ حدٍ للبنى التي تُولِدُ الجوعَ والعوزَ والقهرَ...
كنت الساعي لإيجاد الطريق إلى المصالحةِ بين التعدديةِ الدينيةِ والثقافية، والتقاليدِ الثابتة في وطننا.


كنت المطالبُ بوضعِ حد للانقساماتِ التي يُغذيها التمييزُ الطائفي والمذهبي والأخلاقي والثقافي.

في كلمتِك الأخيرة في يوم تكريمِك، كان صوتُك يَصدَحُ: لا الحريةَ فحسب، بل العدالةَ في آن واحد أيضا.


لا المساواةَ بين المواطنينَ فحسب، بل المساواةَ أكثر بين الرجلِ والمرأة...
لا العيشَ الواحد فحسب، بل السلامَ أيضاً.

كم نحن اليومَ، ومعكَ، بحاجةٍ في لبنان الى التسامحِ والتصافحِ والتجددِ والمسامحةِ، وعلاقةَ مواطنيةٍ مبنيّةٍ على المحبةِ والاحترامِ، مبعدين كلَّ شعور بالحذرِ والضغينةِ بعضُنا تجاه البعض، واضعينَ حداً لثقلِ الذكريات والمآسي الماضية، وحدّا للتعصبِ ورفضِ الاعترافِ بحريةِ الآخرينَ وحقِهم بالدفاعِ عن رأيِهِم...

فيا أيها المتجردُ في رسالتِه، يا صاحبَ الضميرَ الواعد، والكرامةَ التي لا تُمس. يا أيها المترفعِ الى حدِ الترسُّلِ، والشامخُ بتواضعِه، العاشقُ للحريةِ حتى الثمالةِ، الحريةْ، التي بدونِها لا محاماةَ ولا حقٌ ولا عدالةٌ.
وتنطبق عليك يا راحلنا الكبير أبيات للشاعر الفرنسي ألفرد دوفينيي قال:


Gémir, pleurer, prier est également lâche
Fais énergiquement la longue et lourde tâche
,Dans la voie où le Sort a voulu t’appeler
Puis après, comme moi souffre et meurs sans parler

فإلى والدتِك الفاضلة لور، بركةُ هذا البيت، وزوجتِك المخلصة دائما وأبداً صونيا وأولادُك، فوزي، زلفا وماريا... إلى كلِّ عائلتِك ورفاقَ دربك من زميلاتٍ وزملاء، لهم جميعا ولنا كلَّ العزاء.

والى دارِ السلام "زحلة"، الى كلِّ البقاع، أرضَ الكرمِ والعطاء... الى كلِّ لبنان، وطنَ الحرية، كلُّ المحبة. فكلما سقط منّا في المعركةِ صفٌ، تقدم صفٌ آخر ليحملَ الشعلة، وليسيرَ وهو مدركٌ المصيرَ المحتّم.
فكلُنا من آدم، وآدم من تراب.


وأختمُ مردداً مع الكبير سعيد عقل:
" ما الموتُ؟ شمخةُ رأسٍ منك تُفتَقدُ وأسلمْ بباقةِ شعرٍ عطرُها الأبد..."

ميشـــال ليـــان،
لن نقولَ لك وداعاً... بل إلى اللقاء...

 

 

Share this: