News

"الداء والدواء" سيادة المطران يوحنا جنبرت

29 December 2018


 

العالم اليوم يتخبط، على مشهد من جميع الناس وامام اعيننا نحن ايضا، وهو يتناحر في كل مكان ويتصارع شرقا وغربا شمالا وجنوبا.هذا ما تنقله الينا يوميا الاذاعات وشاشات التلفزة وشبكات التواصل الاجتماعي وبلا هوادة، صباحا ومساء وليلا ونهارا، حتى صرنا نشعر وكأننا نعاني من تبعات هذه الصراعات في أعماق ذواتنا يوميا ونعيش في خضم معارك عبثية، مؤلمة، لا طائل لها ولا معنى، سوى الجشع والسعي الى المزيد من المكاسب والغنى او التجبر والسلطان. لقد حولت اطماع الغاصبين الانانية ،الجنة التي أرادها الله مسكنا آمنا للإنسان، الى غابة وحوش ضارية يتصارع فيها الاخوة من بني البشر، بدأ بقايين، الذي قتل اخاه هابيل في جنة عدن في  اليمن، وصولا الى الحديدة، في هذا اليمن عينه، حيث الاطفال يقتلون يوما بعد يوم والموت والدمار قد حول الجنة الى جحيم.

 

في كل مكان حروب ونزاعات، في بلادنا خصوصا وفي منطقتنا الشرق أوسطية عموما، حيث ربيع الحقد والاطماع ضرب العراق وفلسطين والسودان وليبيا وتونس وسورية واليمن وحول عالمنا العربي برمته الى منطقة توتر وحروب وخراب ودمار. واليوم نحن نرى نزاعات جديدة تستعرفي كل مكان من العالم، وقلاقل تتصاعد شرقا وغربا. نرى أوروبا في قلق من امرها، خلقيا، اجتماعيا وبنيويا و سياسيا. ونرى في الوقت عينه أوكرانيا تتقسم وتتخبط، وفنزويلا في مجاعة وروسيا تتسلح وامريكا في غليان، والكل خائف من غده المبهم ومن المزاحمين والانداد، يجمع ليخزن في اهرائه المزيد ثم المزيد، ويتسلح بالحديد والعدد والعديد ليصارع ويقهر ويسيطر.

 

كل هذا، لان الجشع والطمع قد ملء قلوب العظماء، والكبرياء والرغبة في السلطة قد اعمى بصائر المتجبرين. هم يريدون كل شيء لصالحهم ولإرواء غليل ظمئهم الى المال والسلطان، واشباع رغائب اطماعهم التي لا حد لها، متصرفين بأنانية مطلقة لا تعرف حدودا،  ولا تترك في جشعها للرحمة حيزا، ولا للشفقة مكانا، ولا للبر ولا للإحسان.

 

ان العالم يعاني من داء عضال، والمجتمع البشري على حافة تداعيات خطيرة من شأنها ان تنحدر به الى الحضيض، جاعلة منه جحيما، نارها مستعرة لتلتهب الحجر والبشر، الظلم مبدؤها والحقد ديدنها والغيظ عنوانها والعنف فيها المسلك والسبيل الى موت محتوم والى الفناء. وهذا الداء المميت، مرض العنف والاستعلاء، لن يجد علاجا، ما لم يقصد الناس وليد مريم في مغارة بيت لحم، يسوع الطفل الآتي من السماء، تماما كما فعل ملوك الشرق ساجدين، المجوس الذين كانوا ينتظرون مجيئه للاستنارة وبلوغ الوعي، في عالم كفيف، لم يجدوا  في غياهب ظلماته بصيص امل ببلوغ الحكمة ومعرفة اسرار الحياة. وجد الملوك رسولهم السماوي المنشود في مسكن وضيع، مضجعا على القش، طفلا وديعا ،لا حول له ولا قوة، وبجواره يوسف الصديق ومريم امه الحنون. حاشيته صغار القوم من الرعاة الآمنين وبلاطه مغارة وعرشه مزود، ومصابيحه انوار السماء.

 

وقفة خاشعة عند المغارة ونظرة الى الوليد الإلهي في ضعة مضجعه وفقر مسكنه، يعيد الرشد الى العاقلين من الناس ويذكر الجميع بأن الحقيقة تكمن في الحياة الاتية من لدن الخالق، مع وليد السماء، مجدد طبيعة البشر. وان النور الإلهي ينبثق من اشعاع البساطة التي يلتحف بها هذا الذي  خلق الدنيا وهو سيد المسكونة كلها والكائنات. وليد المغارة ورب الحياة، يسوع المعلم، الوديع المتواضع. هو الجواب والدواء. جواب على تساؤلات الحائرين ودواء لأمراض الجاهلين، افرادا كانوا ام جماعات. هو "الطريق والحق والحياة ." فحياة الانسان هي اهم ما في الدنيا، ومن يحترم الانسان ويصون حياته، أينما وجدت وكيفما كانت، هو العاقل الواعي الفهيم، وهو فاعل السلام، وهو في "الحق "الذي يحرر كل انسان وهو الحكيم. ان وليد الحياة هو الاهم، وان كل ما يحيط به من قشور الدنيا لا قيمة له وليس بالحسبان. فالثروة ومظاهر الابهة والغنى البراق والزخرفة والزينة النكراء، كلها لا تعني شيئا لسيد الدنيا والكائنات. خالق الكون وصانع المعجزات، اكتفى بأبسط مستلزمات العيش، ليبين للجميع ان للإنسان كفاية بالقليل عندما يزدان بالحكمة والمحبة والمعرفة، وان "الحياة" هي الجوهر وهي القيمة الاهم. واما المنازعات والخلافات التي تنشأ من الطمع والبحث عن المزيد ثم المزيد، والكبرياء والرغبة في الهيمنة والتسلط، فنتاج هذه كلها خلافات بين الناس وتطاحن بين الشعوب  وقيام أمم على بعضها في حروب عبثية نتائجها الموت والدمار. والعلاج لا يأتي الا بالرفق والقناعة والمحبة هي "الطريق".

 

وفي هذا العيد المبارك، نحن نفرح ونتهلل آملين الصلاح بحضور المخلص، لأنه "ولد الرفق يوم مولد عيسى والمرؤآت والهدى والحياء"، وازدانت الدنيا بنور السماء فأنشدت المسكونة مع الملائكة ارضا وسماء فرحة، انشودة التسبيح مهللة وقائلة: "المجد لله في  العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة ."

ميلاد سعيد، وكل عام و انتم  بخير و ارتياح، يأتيكم من السماء مع المسيح، الذي حضر ليكون بجوارنا، افضل رفيق وخير صديق.

 

ميلاد 8102  

 

المطران يوحنا جنبرت +

   

     

Share this: