News

بسترس في ندوة عن الارهاب التكفيري: القضاء عليه يجب ان يتخذ وجها عسكريا وآخر دينيا بإعادة تفسير النصوص بما يتلاءم مع شرعة حقوق الانسان

26 March 2017


 

نظم مركز الدراسات والابحاث الانتروستراتيجية، ندوة بعنوان "معا نواجه الارهاب التكفيري"، في إطار فعاليات المؤتمر المسيحي- الاسلامي الثالث في قاعة كنيسة سيدة الدوير الفيدار، بمشاركة حشد من المهتمين.

صليبا

بداية كلمة للدكتور اودين سلام الحايك، ثم لمدير المؤتمر البروفسور لويس صليبا الذي قال: "لم تكن الصدفة وراء انعقاد مؤتمرنا هذا في عيد البشارة، لقد تم اختيار هذا اليوم لرمزيته ولمكانته في الديانتين المسيحية والاسلامية، وتلاقيهما حول مريم العذراء كعنوان يجمعهما، لننطلق من هذه الفكرة الجامعة، الى رباط روحي أخوي، في وطن الثقافات والأديان، عن طريق البحث في القضايا المشتركة وصولا الى إيجاد نقاط تجمع بين وجهات النظر، وتساهم في مواجهة التطرف الديني. هذا الأمر لا يتحقق إلا بالعودة الى الجذور، والبحث في المفاهيم الدينية التي تقرب الانسان من الله، لان اقترابنا من الخالق يقربنا من اخوة لنا بالانسانية، ويبعد شبح التعصب والارهاب. لقد بات الحوار ضرورة ملحة بعد التقوقع الحاصل داخل كل مذهب وطائفة، وما تسببه الطائفية من نزف داخلي. فهو السبيل الافضل للتخلص من أزمة الثقة المتبادلة، والخوف من الآخر، كي نتمكن من الوصول الى الاعتراف بإنسانية الانسان، وبحقه في العيش بكرامة في مجتمع يحفظ خصوصية كل دين. وأي حوار يتجاهل احترام الآخر، وخصوصية كل جماعة، يكون عقيما ولا يساهم في تأمين العيش بسلام داخل المجموعة".

أضاف: "التنوع الطائفي في لبنان يكون مصدر غنى اذا علمنا كيف نستفيد منه ونستثمره لإغناء المجتمع من تجارب الفرقاء كافة. ويكون مصدر دمار وتدمير اذا كان انتماء كل فريق الى طائفته، بدلا من الإنتماء الى الوطن. من هنا أهمية التلاقي والتحاور، كي نتمكن من بناء وطن يحمي الحقوق، ويضمن ممارسة الشعائر الدينية، وينبذ التعصب والمتعصبين الذين يعيقون بناء دولة القانون والمواطنة الحقيقية. وعندما تدرك القواعد الشعبية ان التنوع والتعدد والاختلاف هي حقوق يجب احترامها لدى كل فرد من الأفراد، نتحرر من العصبيات الموروثة، ونترفع عن المصالح الخاصة والضيقة التي تستغلها الحركات الارهابية لتدمير الشعوب والاوطان".

وتابع: "خطر الارهاب يتفاقم يوما بعد يوم، والأساليب المعتمدة من قبل الارهابيين تتشابه حتى ولو اختلفت التسميات، من اللجوء الى الشدة والتعذيب، والذبح، وحرق الأحياء، وزرع الخوف وعدم الاستقرار كلها عناوين لفكر واحد هو الفكر الارهابي. ما نصبو اليه من خلال هذا المؤتمر هو وضع استراتيجيات لمكافة الارهاب الذي ينمو تحت ستار الدين، وهو في العمق بعيد كل البعد عن التعاليم الدينية التي تقربنا من الخالق. نسعى الى تطوير قيم الإيمان والمحبة، لنحقق الشراكة الحقيقية، وليبقى لبنان، وطن الحرية والتنوع والثقافة والإرث الحضاري، نموذجا للتعددية، لان اهتزاز هذه الثوابت يؤدي الى اهتزاز كيان الوطن، فتسود الحروب الاهلية، ويخيم شبح الارهاب".

وختم صليبا: "أدرك القيمون على الديانتين المسيحية والاسلامية هذه المخاطر. وما وجودنا اليوم في رعية سيدة الدوير في الفيدار، سوى البرهان الأكيد على الانفتاح على الحوار والتلاقي. وقد أمن لنا كاهن الرعية الخوري طوني الخوري سبيل اللقاء، وفتح أبواب الرعية، وهو المعروف بإيمانه العميق، وبنشره لتعاليم الكنيسة. يسعى الى بناء ملكوت الله في العالم، ينشد العدالة المفقودة، ويدعو الى عمل أعمال الله، وهو القائل: من يصلي ويتضرع الى الله ولا يثمر ثمار المحبة، يثرثر ولا يصلي. ولكي يصلي حقيقة، على المصلي ان يعمل اعمال الله".

الخوري

ثم ألقى كاهن الرعية الخوري طوني الخوري كلمة أشار فيها الى ان "أقسى مظاهر العنف وأقبحها، هو الإرهاب الديني الذي يكتب التاريخ الحديث بتوقع من الله وختمه، والله بريء منه، انه في الواقع، شكل الحرب الجديد، الذي يستوحي العقيدة الدينية، ويستلهم الله لقتل خلقه، ويخض بذلك الأسرة الدولية بكاملها".

وقال: "في الحقيقة ان نسبة العنف الى الله أمر لا يتخطى المنطق الالهي وحسب، بل المنطق البشري ايضا، فالعقل البشري لا يقبل بحقيقة ان الله، وهو إله الحياة، يتحول الى آلة قتل يستعملها بعض من الناس الخارجين عن قانون المحبة التي تأتي به الأديان، لقتل الانسان. الحكم باسم الله، ان جاز، يلزم الحاكم بالمحبة والرحمة والعدل، وإلا فانه يتحول الى أسوأ أنواع الأحكام، لا بل أسوأها على الإطلاق، لانه ينزع عليه صفة الألوهة، فيتحكم بالناس بما لا يريده الله، وفي الوقت نفسه، ينسب الى الله ما ليس فيه، وما ليس هو، وما لا يقبل ان يكون، وما يتعارض مع طبيعته: المظالم والعنف والقتل والقهر والإخضاع والإذلال، وكبت الحريات الشخصية والدينية، والتقوقع والتحجر والتصلب ورفض الآخر".

أضاف: "في محاضرته في جامعة راتيسبون في المانيا، تطرق البابا بندكتوس السادس عشر الى موضوع العنف باسم الله، في سياق حديثه عن العلاقة بين الإيمان والعقل، فأكد على ان نشر الإيمان بالعنف أمر غير مقبول، لان هذا الأخير لا يتوافق مع طبيعة الله ومع طبيعة الروح، فالله لا يسر بالدماء، والسلوك غير العقلاني يناقض طبيعته الالهية. والإيمان يولد من الروح، وليس من الجسد. وعلى من يرغب في جذب انسان الى الإيمان ان يكون متحدثا لبقا، وان يملك القدرة على المحاجة المنطقية، بدون عنف وبدون تهديدات. ولإقناع روح عاقلة، لا يحتاج المرء الى ذراع قوي، او الى اسلحة من أي نوع. او لأي شكل من أشكال التهديد بالقتل، بل يحتاج الى الحجة والمنطق والى قول الحقيقة في المحبة".

وتابع: "الشر ديناميكي، وان لم نضع في وجهه العراقيل والحواجز على جميع مستويات الوجود، فانه يتكاثر ويهلك العالم، لانه يحمل في طياته الفوضى، وانعدام الشكل، ونوعا من الاضطراب، ومن أجل الحفاظ على الوجود، لا بد من دينامية المحبة، والمآثر الروحية التي تميت الموت وتأخذه الى العدم، مكانه الأصلي. وهذا المؤتمر هو واحد من سبل المواجهة القائمة على دينامية المحبة التي تجمع ما بين كافة العائلات الروحية اللبنانية، ومساحة للتفكير والحوار والكلام المبين، فنلتقي كلنا على نبذ العنف والارهاب وتبرئة الله مما ينسب اليه، والعمل من أجل السلام الذي هو فضيلة العاقلين".

وختم الخوري شاكرا الشيخ مازن بكري على دعوته له، وصليبا على جهوده.

بسترس

ثم ألقى متروبوليت بيروت وجبيل وتوابعهما للروم الملكيين الكاثوليك المطران كيرلس سليم بسترس كلمة قال فيها: "الارهاب التكفيري يدخل في دائرة الدين، وجذوره هي جذور دينية. لذلك لا بد لنا من السؤال، هل يتضمن الدين ما يدعو الى الارهاب؟ للاجابة عن هذا السؤال لا بد من تحديد الدين. الدين في أصله هو التعبير البشري عن علاقة الانسان بالله، وعن الطريق التي يسلكها الانسان للوصول الى الله. لذلك لا علاقة للدين في الأصل بالإرهاب. لكن هناك تفسير إرهابي للدين. فاذا اعتبر أتباع اي دين انهم وحدهم مالكو الحقيقة، وان الله قد أوكلهم بان يزيلوا من العالم كل كفر وكل ضلال، حينئذ يصير الدين سببا في نشأة الإرهاب التكفيري. فالكافر، في نظر هؤلاء، لا حق له بالحياة".

أضاف: "تاريخ الاديان التوحيدية القديم، أعني اليهودية والمسيحية والاسلام، مليء بأحداث من هذا النوع، حيث أبيدت جماعات برمتها بسبب كفرها او ضلالها، منذ احتلال اليهود لأرض الكنعانيين حيث أبادوا كل السكان الأصليين بحجة ان هؤلاء السكان هم عابدو أصنام، وبالتالي نجسون، ولا يجوز ان تبقى نجاسة في أرض القداسة، الى محاكم التفتيش في القرون الوسطى في الغرب المسيحي، حيث كان يسجن ويقتل كل أصحاب البدع والهرطقات، الى الفتوحات الاسلامية حيث كان يقتل المشركون اذا رفضوا اعتناق الاسلام، استنادا الى بعض النصوص القرآنية كالآيتين التاليتين اللتين وردتا في سورة التوبة: الآية5: فاذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، والآية 29: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرمه الله ولا يدينون بدين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فالارهاب التكفيري يقرأ اليوم هذه النصوص قراءة حرفية، بدل ان يقرأها ويفسرها في سياقها التاريخي، الذي هو سياق حروب وفتوحات وغزوات. وأفصح مثال عن ذلك ما قامت به الدولة الاسلامية "داعش"، التي لدى احتلالها الموصل وسهل نينوى في العراق، راحت تقتل اليزيديين على أساس انهم مشركون، وتخير المسيحيين "اهل الكتاب" بين الإرتداد الى الاسلام او الهجرة او دفع الجزية. وهكذا عادت الى زمن الغزوات. وكذلك عندما هاجمت القاعدة برجي نيويورك في 11/9/2001، دعت هجومها: غزوة نيويورك".

وتابع: "أود الكلام بكل صراحة على نوع آخر من الارهاب، في معظم الدول الاسلامية، وهو يقوم على تهديد اي مسلم بالقتل ان ارتد الى دين آخر، وذلك استنادا الى قراءة حرفية للحديث المشهور: من ارتد منكم عن دينه فاقتلوه. في حين ان هذا الحديث تجب قراءته في سياقه التاريخي، أي في أثناء الحروب بين المسلمين وأعدائهم. فالمرتد عن دينه كان يعد مرتدا الى مخيم العدو، فيقتل ليس بسبب تغيير دينه بل بسبب خيانة أمته. أما في الدين فيجب تطبيق النص القرآني الواضح: لا إكراه في الدين، وهذا النص يجب ان يكون أساس الحرية الدينية وحرية المعتقد في كل البلدان. فما الداعي اليوم الى الحكم بالموت على من يرتد عن دينه الى دين آخر اذا رأى بموجب ضميره ان هذا الدين الآخر يقربه الى الله أكثر من الدين الذي ورثه من أجداده. لذلك، فالقضاء على الارهاب التكفيري يجب ان يتخذ وجهين: وجها عسكريا بمحاربته، ووجها دينيا بإعادة تفسير النصوص الدينية تفسيرا يتلاءم مع شرعة حقوق الانسان العالمية، التي تدعو الى حرية الدين وحرية المعتقد. نأسف بان تكون معظم الدول الاسلامية لم تقبل بكل بنود شرعة حقوق الانسان العالمية، اذ رأت في الدعوة الى حرية المعتقد ما يناقض الشريعة الاسلامية. ولكن من ناحية ثانية ما يدعو الى الرجاء هو التيارات الجديدة في الاسلام الذي يدعى اليوم "الاسلام المعتدل". وهذا ما ظهر في مؤتمر الأديان العالمي في الازهر في مصر الشهر الفائت، الذي دعا الى حرية المعتقد من خلال التركيز على المواطنة، أي على المساواة بين جميع المواطنين مهما كان دينهم او مذهبهم".

وقال: "واذا أردنا ان ندخل الى عمق موضوع الحقيقة الدينية، نسأل: ما معنى الدين الحقيقي؟ هل هناك دين حقيقي واحد أم يمكن ان تكون الحقيقة موجودة في أديان مختلفة؟ فالتكفيريون المسلمون مثلا يقولون ان هناك دينا حقيقيا واحدا وهو الاسلام، وكل من ليس بمسلم فهو "كافر". وهذا ما كان يقوله المسيحيون قبل المجمع الفاتيكاني الثاني، ولكن هذا المجمع قد أدخل ثورة في مفهوم الحقيقة وفي مفهوم الدين الحقيقي: اذ رأى في كل الاديان "قبسا من نور الحقيقة الكاملة". لذلك الفكر المنفتح يقول اليوم: لا أحد يملك الحقيقة الكاملة، بل الحقيقة هي التي تمتلكنا، وندخل فيها لكي توصلنا الى الله. لذلك هناك طرق مختلفة للوصول الى الله. فالدين الحقيقي هو الذي يوصلنا الى الله. لذلك يمكن ان تكون هناك أديان حقيقية مختلفة، لانها كلها توصلنا الى الله الواحد، وان بطرق مختلفة. وفي هذا السياق يحكى ان الخليفة هارون الرشيد دعا يوما مطران بغداد المسيحي وسأله: ما هو الدين الحقيقي في نظرك، الاسلام ام المسيحية؟ فأجابه المطران: الدين الحقيقي هو الذي يدعو الناس الى التخلق بأخلاق الله في المحبة والرحمة. فقال الخليفة: حسنا أجبت. فلو قلت لي: الدين الحقيقي هو الدين الاسلامي، لأرغمتك على اعتناق الاسلام. ولو قلت لي: الدين الحقيقي هو الدين المسيحي: لقطعت رأسك. لكنك أصبت عندما قلت: الدين الحقيقي هو الذي يدعو الناس الى التخلق بأخلاق الله. التخلق بأخلاق الله هذا هو جوهر الدين. والله الذي أمرنا في الوصية الخامسة من الوصايا العشر، قائلا: لا تقتل، لا يمكن ان يأمر بقتل الناس".

وختم بسترس: "في هذا الموضوع يحضرني قول الصوفي ابن عربي: لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي، اذا لم يكن ديني الى دينه داني. فقد صار قلبي قابلا كل صورة: فمرعى لغزلان، ودير لرهبان، وبيت لأوثان، وكعبة طائف، وألواح توراة، ومصحف قرآن. أدين بدين الحب أني توجهت ركائبه. فالحب ديني وإيماني. والسلام عليكم".

Share this: