Events

العبسي زار الراهبات المخلصيات: الحياة جديرة بأن نحياها والمسيح يعطيها كل معناها

26 May 2018


 

 زار بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي الراهبات المخلصيات في دير سيدة البشارة، في حضور النواب ميشال ضاهر وماريو عون وعلي عسيران وبلال عبدالله ممثلا النائب تيمور جنبلاط، السيدة جانين موسى ممثلة النائب ميشال موسى، الوزير السابق الياس حنا، رئيس بلدية زحلة اسعد زغيب اضافة الى فاعليات المنطقة وعدد من الاساقفة والرؤساء والرئيسات العامات.

وألقى العبسي كلمة قال فيها: "أشكر حضرة الأم العامة الفاضلة منى على كلمتها الترحيبية القلبية الرقيقة. أشكركن جميعا على الاستقبال البنوي المعطر بالصلاة والفرح. أشكر الله الذي أتاح لي أن أزور هذا الدير العامر بالقداسة والأعمال الصالحة وأن أتبارك بالوقوف في عتباته والصلاة في كنيسته".

أضاف: "إذا أحببت شخصا تروح تبحث عن كل شيء يخصه. هذا ما فعلته أنا. وما أكثر ما كان جميلا ومؤثرا ومشوقا ما اكتشفته من تاريخ هذه الرهبانية الكبيرة منذ أن غادرت الفتيات المؤسسات دير صيدنايا في عام 1724 بقيادة الحاجة تقلا إلى هذا اليوم. تاريخ حافل بالمجاهدة الروحية والجسدية لأجل السيد المسيح من خلال حياة رهبانية ورسولية يشهد لها بقوة الالتزام وصدق الشهادة. هذا ما دفعني إلى أن أشارككن اليوم، ولو على عجل، ببعض ما استخلصته من هذا التاريخ أو ما أوحى به إلي عما يخص حياتنا الرهبانية والرسولية. نحن نعلم أن تكرسنا يندرج في إطار دعوة السيد المسيح الشاملة والعامة إلى القداسة والكمال: "فأنتم كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل" (متى 5: 48). هذه الدعوة يؤكدها بولس الرسول بقوله: "من بولس عبد يسوع المسيح، الذي دعي ليكون رسولا، المفروز لإنجيل الله... إلى جميع أحباء الله الذين برومة، المدعوين ليكونوا قديسين" (روم 1: 7)، "فأحرضكم إذن، أنا الأسير في الرب، أن تسلكوا مسلكا يليق بالدعوة التي ندبتم إليها" (أف 4: 1). بيد أن الدعوة إلى القداسة والكمال إن كانت واحدة للجميع، فإن هناك دعوة خاصة يوجهها الله إلى البعض من أجل عمل خاص، أو "خدمة خاصة" في الكنيسة. هذه الدعوة الخاصة يصفها القديس بولس بأنها نعمة. يقول لأهل أفسس: "إن النعمة قد أعطيت لكل واحد منا على مقدار موهبة المسيح" (أف 4: 7). نعمة أي هبة من الله ليس لنا فيها فضل".

وتابع: "كلام بولس يعني أن الدعوة الخاصة إلى الخدمة هي التي تجعلنا نحن المسيحيين نتميز بعضنا عن بعض، لكن لا تميز تفاضليا بل تميز في الخدمة، يعني أنه ليس من خدمة أفضل من خدمة بل جميع الخدم تقود القائم بها في النهاية إلى المسيح. فما هي يا ترى خدمتنا الخاصة نحن المكرسين؟ الخدمة الأساسية التي يدعى المكرس إلى تقديمها للسيد المسيح هي أن يتابع عمله في العالم: "كما أن الآب أرسلني كذلك أنا أرسلكم" (يو 20: 21)، وأن يظهروه ويعلنوه للعالم كما فعل سمعان الشيخ. هذا ما اختارته رهبانيتكن منذ عام 1939. لكن، ما معنى ذلك؟ في المؤسسات البشرية على اختلافها، أكانت دينية أم مدنية أم غير ذلك، يتابع الخلفاء عمل أسلافهم وليس شخص المؤسس، وقد يصحح البعض عمل المؤسس وقد يذهب البعض الآخر إلى أبعد من عمل المؤسس وقد ينكر البعض الآخر أيضا عمل المؤسس. أما في الكنيسة فالأمر ليس كذلك، فالمسيح ليس له خلفاء، بهذا المعنى، لأنه لم يمت بل هو حي قد قام من بين الأموات وما عاد للموت من سلطان عليه. فما هو إذن عمل الذين يخدمون السيد المسيح إن لم يكونوا خلفاء له؟ إن عملهم هو أن يمثلوه أي أن يجعلوه ماثلا حاضرا حيث هم، أن يصنعوا شكلا مرئيا لحضوره غير المرئي، أن يظهروا للعالم حضور السيد المسيح المستتر، أن يصرخوا مثل يوحنا المعمدان: "إن في وسطكم من لا تعرفونه". هذه الحقيقة هي التي سمحت للرهبانية أن تنتقل إلى الرسالة وأن تجمع بين الحياة الرهبانية والحياة الرسولية من دون أن تخرج عن خطها الأول وعن الكارزما الخاصة بها. لكن لئن كانت خدمة متابعة عمل المسيح هي سمتنا علينا أن نرى ما الذي تقوم عليه هذه الخدمة، ما الذي تبنى عليه. إنه الإيمان. يقول الله في الكتاب المقدس "إن البار بالإيمان يحيا". إن كلام الله هذا ينطبق بنوع خاص على المكرس فهو رجل الإيمان".

وقال: "إن الإيمان هو الذي يحدد "الثقل النوعي" للمكرسين وكذلك فعالية خدمتهم. إن المؤمنين يرون سريعا، بشيء أو نوع من الإحساس والحدس، هل المكرس مؤمن، مؤمن بما يقوله وبما يفعله، هل هو صادق. إن الذي يبحث عن الله أولا عند المكرس يدرك ذلك حالا. أما الذي لا يبحث عن الله عند المكرس فهو سهل الانخداع بل يخدع المكرس نفسه حين يجعله يشعر بأنه ذو أهمية لامع ابن زمانه في حين أن هذا المكرس ليس سوى "نحاس يطن وصنج يرن". بل إن الذي لا يؤمن يدرك الفرق بين مكرس مؤمن ومكرس غير مؤمن إذا ما دنا من المكرس متقصيا. فإن ما يستثيره ويستطيع أن يشكل له أزمة بطريقة صحية ليس في العموم المناقشات الإيمانية العالية بل أن يجد نفسه أمام رجل يؤمن حقا بكل كيانه. فإن الإيمان يعدي. إن الإيمان كالفيروس لا يصاب المرء بالسماع عنه أو بدرسه فقط بل بالاحتكاك به. إذا كانت الدعوة إلى القداسة عامة وواضحة في الإنجيل ولا حاجة بالمسيحي إلى أن يفتش عنها ليسمعها، إلا أن الدعوة الخاصة يجب أن يبحث عنها بالتفتيش عن مشيئة الرب والإصغاء إلى صوته والتنبه إلى إشاراته. هكذا رأى القديس بولس دعوته أن يكون رسولا إرادة من الله تعالى، فقال لأهل كورنثس: "من بولس المدعو بمشيئة الله [ليكون] رسولا للمسيح يسوع... إلى كنيسة الله التي في كورنثس. نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح" (1 كور 1: 1-3؛ راجع أيضا أف 1: 1 ، كول 1: 1، 2 تيم 1: 1). وهكذا كان يطلب دوما من المسيحيين أن يبحثوا عن إرادة الله ويعملوا بها. يقول لأهل رومة: "لا تتشبهوا بهذا العالم، بل تحولوا إلى صورة أخرى بتجديد عقلكم، لكي يتهيأ لكم أن تميزوا ما مشيئة الله" (روم 12: 2). وكم من دعوة سقطت لأن المدعو لم يفعل ذلك، لم يفتش عن إرادة الرب. لكن اكتشافنا لدعوتنا لا يحصل ولا يصح إذا لم نكن في صداقة مع الله من ناحية وإذا كنا لا نستمر في هذه الصداقة من ناحية أخرى. ما يؤلف شعلة المكرس، ناره ونوره، هو علاقته الشخصية بشخص يسوع المملوءة ثقة وصداقة. هذا يعني عمليا أنه على المكرس، واليوم أكثر من أي وقت مضى، أن يكون رجل الفرح والرجاء. عليه أن يؤكد دوما للناس الذين ما عاد في وسعهم أن يفقهوا أن الله هو محبة، أن الحياة جديرة بأن نحياها وأن المسيح هو الذي يعطيها كل معناها".

وختم: "حضرة الأم العامة الجزيلة الاحترام، حضرة الأخوات الفاضلات، أعود فأشكركن جزيل الشكر على محبتكن التي أوصلتني إلى مكان من أماكن صنعت تاريخ كنيستنا. تاريخ ألقى عليكن مسؤولية. لكن هذه المسؤولية ما انقلبت يوما إلى عبء، بل كانت تبعث على العطاء والفرح والاندفاع والعمل: مدارس، مآو، مياتم، مشاف، مشاغل، رسالات... تاريخ أناخ عليكن في بعض الأحيان بأحمال ثقيلة إلا أنكن ما تخليتن يوما عن الرجاء. والتاريخ لا يتوقف. المستقبل يدعوكن. ومن كان له تاريخ مثل الذي لكن لا خوف عليه من المستقبل. من ركب البر من صيدنايا إلى هنا بحثا عن الحياة مع الله لا يهاب ركوب البحر حين يدعوه المعلم. يسوع أمامكن يدعوكن إلى التقدم إلى العمق. لا تخفن. ارمين الشباك باسمه، ومع كل رمية اهتفن إليه: "وطد أيها المسيح الإله الإيمان القويم المقدس مع هذا الدير المقدس إلى دهر الداهرين". 

Share this: