Events

العبسي ترأس قداسا في صيدا: واجبنا ألا نفرط بالعيش معا في بيئتنا ولا ان نفرط بالأرض في بلدنا

26 May 2018


 

 

ترأس بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الكاثوليك يوسف العبسي، قداسا الهيا في كاتدرائية مار نيقولاوس داخل السوق التجاري في مدينة صيدا، في حضور النواب: زياد أسود، ميشال موسى وسليم خوري وفاعليات منطقتي صيدا وجزين وحشد من ابناء الرعية.

العبسي

وبعد الانجيل المقدس ألقى البطريرك العبسي عظة جاء فيها: "تطأ قدماي هذه الكاتدرائية المقدسة للمرة الأولى في حياتي، أشعر بتأثر بالغ لأن أبرشية صيدا لها، بالإضافة إلى كونها من أقدم الأبرشيات ومن الأراضي التي زارها يسوع وسمعت كلامه، دور كبير في نشأة كنيستنا الملكية لا سيما في عهد مطرانها أفتيميوس صيفي الذي أسس الرهبانية الباسيلية المخلصية الكريمة وأطلقها لتثبيت ونشر حركة الكثلكة التي كان من أنصارها حتى قبل الانقسام الذي حصل في عام 1724. منذ تلك الأيام، وبالرغم من الأحوال المتقلقلة الحرجة التي كانت تمر بها كنيستنا، كان لأبنائنا الصيداويين، ومن ثم الجنوبيين، نصيب في صنع تاريخها، وفي صنع تاريخ لبنان، على جميع الأصعدة، إلى هذا اليوم. 
حضور الروم الملكيين الكاثوليك في هذه المنطقة تعود جذوره إلى الجماعات المسيحية الأولى، وقد عرفوا، عبر التاريخ وما مر عليهم فيه من تقلبات ومن حوادث الدهر، أن يعيشوا بسلام ووئام مع الآخرين جميعا، وأن يكونوا مرنين منفتحين رجال حوار ودعاة توفيق، وأن يحافظوا على أرضهم ويبقوا فيها، وأن يبنوا بلدهم مع شركائهم في الوطن. هذا تاريخنا ومن واجبنا أن نسير في خطه فلا نفرط بالعيش معا في بيئتنا ولا نفرط بالأرض في بلدنا". 

وقال: "ولكم أنا سعيد ومرتاح إلى ما يقوم به سيادة الأخ المطران إيلي بشارة راعي الأبرشية من مشاريع عمرانية واجتماعية تندرج في هذا الخط التاريخي الذي لكنيستنا، من بناء مئتي مسكن للعائلات الجديدة، وثلاث مدارس، ومأوى للعجزة، بالإضافة إلى مشاريع زراعية عديدة، خلقت كلها حوالى أربعمئة وظيفة، مما شجع، كما لوحظ، على ارتفاع عدد المسيحيين في منطقة شرقي صيدا.
وسيادة المطران إيلي، إذ يعمل كل هذا، يتابع عمل أساقفة كبار وقديسين سبقوه أذكر منهم في هذه العجالة سلفه المطران جورج كويتر الذي صمد في الأحداث اللبنانية على المبادئ عينها وكد بعدها حتى بذل ذاته لإنهاض الأبرشية، والمعاون البطريركي المطران سليم غزال الذي ذاع صيته ليس في الجنوب وحسب ولا في لبنان بل في العالم العربي، رجل الحوار والتعايش المسيحي الإسلامي الذي أرسى له أسسا وطرائق اعترف الجميع بصدقها وشفافيتها وسلامتها وفاعليتها.
لأجل كل ذلك أنا أشكر جزيل الشكر أخي سيادة المطران إيلي على دعوته لزيارة أبرشيتكم التي يفوح تاريخها بما ذكرنا وما هو إلا القليل القليل. أشكره على أنه أتاح لي أن أفرح بلقائكم ومشاهدة وجوهكم وأن أصلي معكم، أن نحتفل معا بالليترجيا الإلهية التي هي ينبوع وحدتنا في يسوع المسيح إلهنا ومخلصنا".

وأردف: "سمعنا النداء الذي ختم يسوع به تعليمه واختصره به في إنجيل اليوم: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل". بهذه العبارة حدد لنا السيد المسيح القاعدة العامة لسلوكنا. حدد سقف سلوكنا، وما أعلاه، إنه الله تعالى عينه، حدد لنا يسوع العلامة التي يجب أن نحصل عليها في أخلاقنا، وما أعلاها، إنها العلامة الكاملة: مئة من مئة.
لذلك ما عاد المسيحي يكتفي بتتميم الوصايا التي يتممها الناس بشكل عام كأن نحب من يحبنا ونسلم على إخواننا، كأن لا نقتل ولا نسرق ولا نزني. هذا سلوك جيد لكنه سلوك مفروغ منه في نظر يسوع. يطلب يسوع منا أن نذهب إلى أبعد من ذلك، إلى ما لا يفعله الآخرون بشكل عام، إلى أن نعطي ونبذل ونضحي أكثر مما تطلب منا الشريعة أو الأعراف الاجتماعية أو الاتفاقات الإنسانية. كل الناس، حتى الوثنيين، يحبون من يحبهم ويسلمون على إخوانهم. من يأمر بكمال الله لا يعد يأمر بما هو دون الكمال، لا يعد يأمر بأن لا تقتل، لا تسرق، لا تزن. لذلك لم يشأ يسوع أن يضع لتلاميذه شريعة أو كتابا على غرار ما فعل موسى وغيره من الأنبياء، فإن الكمال ليس من شريعة أو قواعد تحده، بل ترك وصية، وصية واحدة هي وحدها في نظره قادرة، إذا ما نفذت، على البلوغ بنا إلى الكمال المنشود. إنها المحبة. هذا ما أوضحه الرسول بولس بقوله لأهل رومة: "إن من أحب القريب قد أتم الناموس. فإن [هذه الوصايا]: لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تشته، وكل وصية أخرى، تُلخص في هذه الكلمة: أحبب قريبك كنفسك. إن المحبة لا تصنع بالقريب شرا، فالمحبة إذن هي تمام الناموس" (روم 13: 8-10)".

وتابع: "ما يفسر تفكير يسوع، وتفكير بولس من بعده وتفكير الكنيسة أيضا، هو أن السيد المسيح لم يأت ليؤسس دينا يحدد لنا فيه ما ينبغي علينا أن نعمله، لم يأت ليكرر موسى والأنبياء، بل أتى يكملهم كما قال، جاء يعلن للعالم أجمع بشرى الخلاص، أتى يكشف عن محبة الله لجميع الناس، قدم يخبر البشر أن الله ليس خصما لهم بل هو أب لهم وهم أبناء له، ويعلمنا أن ننظر إلى علاقتنا بالله تعالى نظرة الابن إلى أبيه فلا نناديه بالرب أو بالسيد بل بالأب: "أبانا الذي في السماوات"، كما يخاطبه هو نفسه: "أبا، أيها الآب" (مرقس 14: 36). لذلك نرى يسوع، في حديثه عن الله، لا يخاطب الناس ولا تلاميذه ولا رسله بقوله "إن ربكم"، "إن سيدكم"، "إن إلهكم"، بل كان دوما يخاطبهم بقوله "إن أباكم"، لأنه، كما يقول بولس، "بعد إذ جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب (أي الشريعة والناموس)، لأنكم جميعا أبناء الله" (غلا 3: 25).
رب سائل: أليس عند المسيحيين شريعة ووصايا ومبادىء أخلاقية؟ بلى عندنا، بيد أننا نحن المسيحيين لا نبدأ بالوصية لننتهي إلى الله، لا نرتقي من الشريعة أو بالشريعة إلى الله، بل نبدأ من الله وننزل من الله لننظر، لنحكم في سلوكنا: "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض". ولما كان الله في السماء محبة، كما أخبر الإنجيلي يوحنا، وجب علينا أن نسلك نحن على الأرض بمقتضى المحبة لأنها "رباط الكمال"، كما يقول بولس، أي إنها الشيء الذي يربطنا بالله الكامل بحيث لا نعود نفعل الشر. هذا ما جعل القديس أوغسطينوس يتجرأ على القول: "إذا أنت أحببت فافعل ما تشاء"، لعلمه بأن الذي يحب مرتبط بالله، هو من الله، كما يقول الرسول يوحنا، فلا يفعل الشر (1يو 3:9؛ روم 13: 10)".

وختم العبسي: "أشكركم فردا فردا على استقبالكم، على تجشمكم تعب المجيء للمشاركة في الصلاة. أسأل الله تعالى، بشفاعة القديس نيقولاوس صاحب هذه الكنيسة، وشفاعة النبي إيليا شفيع راعي الأبرشية، أن يكافئكم ببركاته، ويبلغنا إلى كماله بالمحبة. لقد زرعنا في هذه المنطقة مريدا أن نشهد فيها على الخلاص الذي حققه بابنه يسوع المسيح للبشرية جمعاء. ليس المطلوب أن نكون نحن كثيرين. المطلوب أن نكون حاضرين".

حداد 

بدوره رحب راعي ابرشية صيدا ودير القمر للروم الكاثوليك المطران ايلي حداد بزيارة البطريرك العبسي الى الابرشية وقال: "نرحب بكم في مدينة العيش الاخوي لذا فترحيبي ليس باسمي فحسب بل باسم اهالي المدينة والفاعليات ومؤمنين، مسيحيين ومسلمين معا نشكل عائلة واحدة نسير نحو السلام، سلام النفوس وسلام الوطن، هكذا اسس اسلافنا المطران جورج كويتر وسليم غزال وهكذا اراد سلفكم غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث الذي ساهم بانشاء مركز للدراسات الاسلامية المسيحية بالتعاون مع جامعة القديس يوسف بين حرم المطرانية والجامعة في صيدا، ويعمل هذا المركز سنويا مع فريق من الطلاب من مسيحيين ومسلمين ليكسروا بحوار صريح كل الافكار المسبقة بينهم ويجتهدوا ان يتعرفوا على غنى بعضهم ويبنوا المستقبل معا ونأمل خيرا من هذه المبادرة ان تخلق جيلا متفاهما متناغما".

وتابع: "كذلك هناك مبادرات من جهات عديدة في هذا السياق وفي قمتها لقاء الرؤساء الروحيين للمدينة الدوري حيث نتباحث معا امور الناس ونسهم في اعطاء الحلول ونشر الطمأنينة بين ابنائنا، وباختصار ان صيدا وجوارها في مسيرة واعية لنعود بلبنان حيث كان وطن التلاقي ومنارة المثقفين والمنفتحين".

وقال: "ان مسيرتنا وان تكن مشجعة لكن بعض العثرات تعترضنا كلها تختصر بالحاجة الى فرص عمل لابنائنا ليبقوا هنا لا يرحلوا، اننا كسائر المناطق مهددون بالهجرة الداخلية كانت ام الخارجية وما احوجنا الى مؤسسات علمية وثقافية وطبية وصناعية وزراعية تؤمن لقمة العيش لابنائنا وتوفر سبل العيش بكرامة".

وختم حداد: "لن نترك اليأس يقتلنا لاننا ننظر دوما الى جهة الكأس الملآن فكهنتنا يعملون ليل نهار لبث روح الديناميكية في رعاياهم".

Share this: